الاجتماع الأول للجنة الثلاثية، الفلسطينية ـ الإسرائيلية ـ الأميركية انتهى، كغيره، إلى لا شيء. لم تشفع به الآلية الجديدة، التي اعتمدها والتي تمثلت بالحضور الأميركي على الطاولة. ربما أُريد لهذا الحضور إشاعة الاعتقاد، بأن الأمر قد يختلف هذه المرة. خاصة أن واشنطن هي من دفع بهذه الصيغة؛ التي كانت ترفضها، مع إسرائيل، فيما مضى. لكن تبيّن في النهاية أن المشاركة لم تكن أكثر من تغيير في الديكور. ومثل ذلك لم ولن يؤثر في الحصيلة؛ التي جاءت خائبة كالعادة.
من البداية كان واضحاً أن الشروط اللازمة، بالحد الأدنى، لتحقيق تقدم ما؛ غير متوفرة. مستوى المشاركة الإسرائيلية كان المؤشر الأول. فخلافاً لما كان متفقاً عليه، غاب وزير الدفاع باراك عن الاجتماع. أرسل مكانه، رئيس الهيئة الأمنية والسياسية، في وزارته. لم يبلغ، مسبقاً عن غيابه.
الصحف الإسرائيلية تقول انه «حتى الجانب الأميركي تفاجأ» بغيابه. سواء تفاجأ أم لا، الرسالة واضحة. مفادها أن إسرائيل، ليست في وارد التفاوض الجاد. وإذا كان باراك قد تعمّد فعلاً ترك الجنرال فريزر، الذي جرى تعيينه مؤخراً من قبل الوزيرة رايس لتمثيل «الطرف» الأميركي في المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، في الظلّ؛ فإن في ذلك رسالة أيضاً إلى رايس؛ مفادها أن حكومة أولمرت لا تعتزم التعاون مع إدارة أميركية، دخلت طور العدّ العكسي لرحيلها.
بالمقابل، كل ما صدر عن واشنطن، بخصوص هذا الغياب ورسائله، لم يتجاوز الكلام الضبابي، كالمعتاد، الذي يريد أن يوحي بوجود شيء من التبرّم الأميركي من السلوك الإسرائيلي. الوزيرة الأميركية، اكتفت بإبلاغ الكونغرس، قبل يومين، بأنها «أوضحت» للجانب الإسرائيلي، «بأن المضي في الاستيطان لا يساعد عملية السلام».
وكفى الله المؤمنين شرّ القتال. علماً بأن باراك لم يخف، حتى بعد الكلام الملتبس عن الهدنة، لغته المتشددة في مخاطبته وفي تعامله، مع الجانب الفلسطيني. فهو أكّد على عدم التزامه بمطلب وقف التوسع الاستيطاني؛ ولا تخفيف الحواجز في الضفة؛ ناهيك بالمضي في تهويد القدس والحصار المضروب على غزة، مع توعدها بالمزيد من العمليات العسكرية.
كل ذلك معلن عنه وقيد التنفيذ على الأرض. وها هو باراك يتغيب في آخر لحظة عن اجتماع، حاولت واشنطن وبالذات الوزيرة رايس، تصويره وكأنه رافعة التعويم للمفاوضات؛ في حين تبيّن أن الجنرال الأميركي اقتصر وجوده، في الاجتماع، على لعب دور الشاهد وتدوين تقرير بوقائع اللقاء؛ ينوي رفعه إلى رايس. لا أكثر ولا أقل.
من زمان، كان لنجاح المفاوضات، شرط جوهري: ضغط أميركي حاسم قاطع، على إسرائيل؛ لتنفيذ التزامات التسوية. تهربت كافة الإدارات الأميركية من هذا الدور؛ تحت ذرائع واهية معروفة. النتيجة كانت تخريباً إسرائيلياً مستمراً لفرص السلام. اليوم تحاول إدارة بوش، وهي في نهايات خريفها، الالتفاف مواربة على هذه الحقيقة؛ من خلال آلية، انفضحت هشاشتها ولا جدواها من الاجتماع الأول.
