في الوقت الذي تنطوي فيه قمة منظمة المؤتمر الاسلامي التي اختتمت امس في العاصمة السنغالية دكار على أهمية كبيرة، ليس فقط على صعيد العلاقات بين الدول الاسلامية وبعضها، ولكن ايضا فيما يتصل بالعلاقات بين الدول الاسلامية والدول الاخرى، او بمعنى آخر العلاقة بين الاسلام والغرب التي تتعرض لضغوط ومحاولات تأثير سلبية تسعى فيما يبدو الى ضربها، فإنه بات من الواضح الى حد كبير ان الدول الاسلامية هي الآن في حاجة ماسة الى وقفة صادقة مع الذات من أجل إعادة النظر في أوضاع العالم الاسلامي بوجه عام، والعلاقات بين الدول الاسلامية وبعضها بوجه خاص، والبحث في السبل الضرورية والملائمة من أجل إعادة تنشيط العلاقات مع الدول والثقافات الاخرى في العالم.
حتى يمكن مواجهة الحملة الشرسة التي يتعرض لها الدين الاسلامي الحنيف، وكذلك الدول والقضايا الاسلامية التي يتعرض عدد منها لحروب وأعمال عنف ومواجهات مسلحة مستمرة منذ سنوات، ومصحوبة أيضا بحملات تشويه متعمدة للدين الاسلامي وللمسلمين والعرب امتدت للأسف الى الاساءة الى النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام في عدد من الصحف الغربية .
ومع الوضع في الاعتبار الكثير من وجهات النظر الطيبة التي طرحت أمام قمة داكار التي ترأس وفد السلطنة فيها ممثلا لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري رئيس مجلس الدولة، فإنه يمكن القول ان قمة دكار الحادية عشرة لمنظمة المؤتمر الاسلامي كانت في جوهرها دعوة جادة للحوار الجاد والعميق ايضا، سواء بين الدول والقوى الاسلامية المختلفة من أجل التوصل الى حل لكثير من القضايا الاسلامية المفتوحة وذات التأثير السلبي على العديد من الدول الاسلامية، او بين الدول الاسلامية والدول ذات الثقافات الاخرى على امتداد العالم من أجل إظهار وتعميق الادراك الصحيح للاسلام لدى الشعوب الاخرى وارساء العلاقات مع الشعوب والحضارات الاخرى على أسس قوية من الفهم السليم والموضوعي للآخر بعيدا عن الصور النمطية المسبقة والتي لا تستند الى معطيات صحيحة .
وبينما أكدت قمة دكار التي اختتمت أمس على أهمية وضرورة الحوار بين الفصائل الفلسطينية من أجل استعادة وحدة الشعب الفلسطيني ودعم قدراته في مواجهة الانتهاكات والجرائم الاسرائيليةعبر استعادة وحدته الوطنية، مع الإشارة الى منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني والى السلطة الوطنية الفلسطينية واحترام المؤسسات المنتخبة، فإن الدول الاسلامية أكدت على مبدأ الحوار الايجابي في تعاملها ايضامع العديد من قضايا الشعوب الاسلامية الاخرى مع التأكيد على دعم الجهود التي يقوم بها الأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي الدكتور اكمل الدين احسان اوجلو والرامية الى ايجاد الحلول العادلة للكثير من القضايا والمشكلات التي تواجهها الدول الاسلامية وكذلك الجماعات الاسلامية في الدول غير الاعضاء مع احترام سيادة الدول التي تنتمي اليها وتطوير علاقات ايجابية معها وهو ما ينعكس ايجابيا لصالح كل الاطراف .
وفي الوقت الذي تشكل فيه اجتماعات قمة دكار فرصة لعقد العديد من اللقاءات على هامش القمة بين القادة ورؤساء الوفود للدول المشاركة في الاجتماعات، من أجل تبادل وجهات النظر فيما بينها حول مختلف القضايا التي تهمها ثنائيا وجماعيا.
فإن من أبرز ما تمخضت عنه قمة دكار الى جانب تفعيل صندوق التضامن الاسلامي للتنمية هو الاتفاق الذي تم التوقيع عليه بين السودان وتشاد من أجل المصالحة بينهما وتجاوز الخلافات التي اندلعت في مناطق الحدود المشتركة والتي هددت بمواجهات مسلحة كلاهما في غنى عنها.
ومن المأمول ان ينجح هذا الاتفاق في وضع العلاقات بين السودان وتشاد على طريق جديد ينتقل بالدولتين الجارتين من المواجهة الى التعاون الحقيقي والمفيد لهما وهو ما يدعم في النهاية السلام والأمن بينهما وعلى المستوى الافريقي الاوسع .
يضاف الى ذلك ان تأكيد قمة دكار على الحوار مع الغرب وإيضاح حقيقة الدين الاسلامي والرد بما يتناسب مع حضارية وسمو رسالة الاسلام من شأنه ان يفوت الفرصة على الدوائر الغربية التي تريد ان تفتعل معارك ومواجهات لاتتفق على اي نحو مع الروح الاسلامية السمحة والقادرة على تفنيد مزاعم وترهات المتطاولين ودحض افتراءاتهم عبر الحوار الايجابي الرفيع .
