يروي البيهقي في كتابه عن الإمام الشافعي أنه لما قدم إلى مصر من العراق قام بتمزيق جل ما كتب في الأولى وتغيير آرائه وفتاويه في كثير مما كتب، بل ذهب البعض إلى أن ينسبوا إليه قوله : « لا أجعل في حل من روى عني كتابي البغدادي»، وعزا كثير من المؤرخين هذا التغيير الذي كان حديث المجالس في حينه إلى أن تغير الزمان والمكان يغير كثيراً من المسلمات وأن ما يصلح هنا الآن قد لا يصلح هنا غداً ناهيك عن هناك.

تجنى نائب الرئيس العراقي عادل عبدالمهدي كثيراً على التجربة الوحدوية الفيدرالية في دولة الإمارات العربية المتحدة عندما صرح لوسائل الإعلام مؤخراً بأن بلاده ستقوم بتطبيق نظام فيدرالي يستنسخ التجربة الإماراتية وهو في هذا لم يسئ بحسن نية إلى تجربة الإمارات بل أسبغ على ما يخطط له في العراق الكثير من الحسنات التي يفتقدها المنظرون والمخططون للعراق الحر الجديد.

وقبل أن يعود الصدى السياسي لكلمات عبدالمهدي إلى المنظرين في المنطقة الخضراء طغى صوت الخلافات الجديدة التي علت حول الاستفتاء المزمع إقامته حول مستقبل مدينة كركوك الغنية بالنفط، هذا الاستفتاء الذي قد يؤدي إلى مواجهات عربية - كردية هذه المرة بعد أن كتبت المواجهات المذهبية السنية - الشيعية أهوالا لم تنته بعد، وسوف يؤدي هذا السجال بطبيعة الحال إلى عودة كلمة الفيدرالية إلى الواجهة مرة أخرى.

ولكن بين رغبة مصرة وغريبة من العديد من الأطراف وخاصة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والذي يرفض مناصروه أن يوصفوا بالموالاة لإيران على الرغم من مطالبة رئيسه عبدالعزيز الحكيم بأن تعوض بلاده إيران بمبلغ مئتي مليار دولار عن أضرار الحرب التي شنها الرئيس العراقي السابق صدام حسين عليها، وهو ما يقول مناصرو الحكيم بأنه لم يكن إلا سقطة سياسية لرجل أتعبه المرض.

وتبرز غرابة هذا الموقف في إصرار بعض الممثلين الإعلاميين لنجل رئيس التيار أثناء زيارته لكوريا (للاعتذار) عن عملية الخطف التي تعرض لها عدد من الكوريين في وفد بلغ تعداده عشرين ضعفاً لعدد المخطوفين على اعتبار حملة (أنا عراقي) التي أطلقها بعض المثقفين العراقيين حملة طائفية والطلب من العراقيين رسمياً باستبدالها بعبارة (أنا عراقي فيدرالي)، وهناك الرغبة المقابلة خاصة من القائمة العراقية بزعامة علاوي وجبهة التوافق ممثل السنة في العملية السياسية في اعتبار الفيدرالية مؤامرة ستؤدي إلى تقسيم العراق طبقاً لتصريحات رافع العيساوي.

تشبيه عبد المهدي جاء مشوَهاً ومشوِهاً فالتجربة الإماراتية كانت لتوحيد عدة إمارات متفرقة ومستقلة إحداها عن الأخرى فعلياً وكان في حينه حلاً جاء به المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لصهر الجميع في بوتقة وطن أكبر دون التجاوز على صلاحيات وتعقيدات ولائية وعشائرية كانت قائمة أصلاً، وكان طرق أمورها سيؤدي إلى تهديد هذا الحلم الجديد ووأد التجربة وهي لا تزال في بداياتها الصعبة حيث كانت قطر والبحرين ما زالتا تراوحان وتراجعان ورأس الخيمة غير منظمة إلى العقد السباعي بعد.

بينما في الرؤية العراقية يطلب من الفرقاء السياسيين تبني نظام يعزز الديموغرافية الجديدة لعراق ما بعد صدام ويكرس وضع ثلاث دول مختلفة على الخارطة - وان بقيت تحمل نفس الاسم - لبلد بقي مواطنوه حتى عدة أعوام سابقة يجولون فيه من زاخو إلى البحر ويتزاوجون من حدود إيران حتى الحدود السورية دون أن يعيي أحدهم بأن هذا الأمر لن يستمر وأنه سيكون مطالباً للقيام بنفس الجولة للمرور على أكثر من سبعة وثلاثين مفرزة رسمية ناهيك عن تلك المؤقتة أو التي يراد منها التأكد بأنه ينتمي فيدرالياً إلى تلك المنطقة...

في الإمارات وفي التجربة الأنجح عربياً وإسلاميا ربما منذ حملة سليم الأول عثمانياً لجمع شتات القرون الأولى في دولة واحدة كان سكان الإمارات السبع - أو التسع في حينه - ينتمون إلى مذهب واحد وقومية واحدة ولغة واحدة وماض واحد وكان كثير منهم يحملون ذات الأصول القبلية والأهم من هذا هو رغبة حقيقية لدى القيادات السياسية في البلد لمحو أية فروق ليس بين أبناء المناطق فقط بل وبين من انضم إليهم قبل الاتحاد.

وفي الأنظمة والتشريعات التي أدخلت على أنظمة الجنسية والجوازات أدلة واضحة على هذا فيكفي أن تحمل خلاصة القيد التي روعي أن تحمل أرقاماً للدلالة على المناطق لكي تحصل على نفس المعاملة سواءً كنت في جزيرة على شاطئ أبوظبي أم في مؤسسة فوق رؤوس الجبال، بينما نرى ما أفرزته التجربة العراقية من أن وجود بعض القادة السياسيين بل وكياناتهم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتكريس التقسيم القائم على الأرض.

فمسعود بارزاني الذي رفض رفع العلم العراقي على أراضيه بسبب ارتكاب جرائم بحق الأكراد تحت هذا العلم - بحسب قوله - هو باني الفيدرالية الكردية التي تتمتع بمجلس نواب ومجلس وزراء وهو رئيس للإقليم لا يعتقد أنه سيعمل لإزالة كل هذه المنجزات والتنازل عنها من أجل أن يعيش العراقيون في وعاء واحد، وفي الجنوب تتشابه الصورة مع صورة كردستان عام 1995م عندما تواجهت قوات بارزاني والطالباني.

لأنه يجب أن يحدد من هو الأقوى على الأرض أولاً لكي يتم وضع اللبنة الأساس للإقليم الذي بدأت ملامحه تتضح مع إزالة النجوم الثلاث التي تربط العراق بمحيطه العربي من العلم الرسمي والذي أصبح علماً للجنوب، بينما يصر الفريق الثالث على الاحتفاظ بعلمه كنوع من إثبات الالتزام باللحمة الوطنية ونحن بهذا نرى ثلاثة أعلام لدولة واحدة وشتان ما بين دلائل هذه الأعلام الثلاثة وأعلام أفغانستان الثلاثة التي رفعت في مؤتمر كابول بعيد سقوط حركة طالبان والتي كانت تمثل علم الشاه (مملكة أفغانستان) وعلم الجمهورية وعلم الدولة الإسلامية إذ إن كلها كانت ترمز إلى جميع أفغانستان مع اختلاف في طرح قضية الحكم فيها ولكن هنا لا يمكن أن يمثل العلم ذو الشمس إلا الأكراد والأكراد وحدهم.

في فيدرالية الإمارات كانت الإمارات معروفة لأن التوزيع مناطقي فاتبعت المناطق التابعة للإمارة إلى حماها وهو ليس بالأمر المعقد وحتى هذه ما كانت لتبقى لولا وجود خدمات البنية التحتية والبلدية والتي تحتم الرجوع إلى جهة مركزية في الإمارة على الرغم من أن أغلب الدعم اللوجستي والمالي يمنح من قبل الحكومة الاتحادية، أما تطبيق الفيدرالية عراقياً فسيكون على أساس طائفي - عرقي بحت مما قد يؤدي لمطالبة شرائح أخرى لم يشملها التقسيم بالمعاملة بالمثل مستقبلاً مثل الآشوريين أو المسيحيين أو الصابئة وغيرهم مما سيؤدي بالتالي لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، فتكون فيدرالية اليزيديين داخل فيدرالية الأكراد وهكذا.

وبعيداً عن هذه المقارنة الظالمة يعتمد السياسيون العراقيون في طرحهم بشكل رئيس على ما أقره مجلس الشيوخ الأميركي في السادس والعشرين من سبتمبر الماضي بغالبية خمسة وسبعين صوتاً على قرار يقضي بتسمية مشروع تقسيم العراق فيدرالياً وإن كان القرار قد وصف (بغير الملزم) وصوت له أغلب الأعضاء بمن فيهم الديمقراطيون وربما أدى نجاح التجارب الأخرى في العالم والمنطقة إلى اعتقاد صناع القرار في الولايات المتحدة بأنه سيكون كفيلاً بإخراجهم من هذا المستنقع.

والغريب الذي قد لا يفهم مباشرة هو إصرار إدارة بوش على رفض هذا المشروع لكن بعد التمعن في أقوال وردود جيمس بيكر يلاحظ أن البيت الأبيض يرفض توقيت العملية ولا يرفض مبدأها بدعوى أنها ستؤدي إلى تقوية عدوها الحميم حيث يستعجل أحمدي نجاد إضافة كلمة العظمى إلى جمهوريته، عن طريق تحد مباشر واستفزازات لا تنتهي.

في لقاء لي مع أحد قيادات الكتل العراقية السياسية المؤثرة أثناء زيارته للدولة ذكر لي بأن مشروع تقسيم العراق مذكور في غير ذي مرجع وغير ذي مرة أكثرها وضوحاً كانت في الملحق العسكري لجريدة هآرتز الإسرائيلية عام 1982م، إلا أنه أنهى كلامه بحقيقة تعلمها العالم منذ القديم وتذكرها جيداً بعد الحرب العالمية الثانية وهي أن المنتصر على الأرض في النهاية - التي لم تكتب بعد في العراق - هو الذي سيضع القوانين وهو الذي سيكتب التاريخ. بعيداً عن أية مسميات فيدرالية أو كونفيدرالية.

كاتب إماراتي