هناك أسئلة كثيرة يطرحها الأوروبيون، والغربيون عامة، حول شخصية الرئيس الروسي المنتخب ديمتري ميدفيديف. إنها بالأحرى أسئلة حول النهج الذي سوف يتبعه وإمكانيات «انزياحه» عن الخط الذي أرسى الرئيس الحالي فلاديمير بوتين دعائمه «تدريجياً» خلال فترتيه الرئاسيتين.
لقد قيل الكثير في أوروبا، إثر انتخاب ميدفيديف «المبرمج»، عن «الاستمرارية» وتعزيز «النظام التسلطي» وعن «الدب الروسي الذي يكشّر عن أنيابه» وعن أشياء كثيرة أخرى تصب كلّها في نفس الخانة، لكن بالمقابل لم تبخل التعليقات في مختلف وسائل الإعلام الأوروبية بالإطراء على الصفات «الحضارية» التي يتمتع بها الرئيس الروسي المنتخب وأنه رجل «لطيف» ويستخدم «لغة مهذبة» تليق بأستاذ القانون الذي كان في جامعة سان بطرسبورغ، العاصمة الامبريالية للقياصرة، بل وتحدثت بعض التعليقات عن «يديه اللتين تشبهان يدي فتى يافع في الرابعة عشرة من العمر»، هذا قبل التساؤل «البريء» كيف سيتمكن من حكم روسيا بـ «مثل هاتين اليدين».
كلام في منتهى اللطف والتودد ولكن تنقصه البراءة بل هو «ملغوم» ولا يرمي سوى إلى الإشارة لكل ما هو عكس ذلك لدى الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين «الفظ» الذي لم يعد الغرب يرى به إلاّ رجل الكي.جي.بي السابق. ديمتري ميدفيديف عمره 42 سنة. وبالتالي سيكون الأكثر شباباً بين الذين حكموا روسيا منذ نيقولا الثاني، آخر قياصرة سلالة رومانوف والذي كان قد لقي حتفه على يد البلاشفة عام 1918. تعوّد الأوروبيون أن لا يروا في روسيا سوى بعدها القيصري ومركزية سلطة القرار فيه، وحتى صناديق الاقتراع لا تخدم اليوم برأيهم إلاّ من أجل المصادقة على قرارات اتخذها الكرملين.
الرأي الشائع في أوروبا، المصرّح به أو «المضمر» لأسباب دبلوماسية، يعتبر ميدفيديف مجرّد لعبة بيد بوتين. صحيح أن الرئيس «الداخل» مدين بصعوده كله إلى الرئيس «الخارج». ولكن لا شيء يسمح بالقول انه سوف يكون مثل «خاتم في أصبعه»، وهناك مؤشرات تذهب في اتجاه تكذيب مثل هذا الرأي.
عشية انتخاب ميدفيديف، سأله صحافي انجليزي حول من سوف يدير السياسة الخارجية الروسية ـ كان يقصد بوضوح هل هو أم رئيس وزرائه بعد استلام مهام منصبه فلاديمير بوتين ـ فلم يتردد في القول ان «الرئيس الروسي هو الذي يتولّى دائماً هذه المسائل».
سيتولّى ميدفيديف مهام منصبه رسمياً يوم السابع من شهر مايو المقبل. ويعوّل عليه الكثير من الغربيين كـ «شريك أكثر سهولة»، هذا ما تنمّ عنه تصريحات عديدة. لا شك أن خطاب ميدفيديف ذو «نكهة أكثر ليبرالية» من خطاب بوتين.
ومثل هذا الخطاب يدغدغ مشاعر الغربيين. ولكن لا ينبغي الاستعجال في الاستنتاجات. هذا ما نبّه له فلاديمير بوتين نفسه عندما قال في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع المستشارة الألمانية انجيلا ميركل عند زيارتها إلى موسكو قبل أيام: لا اعتقد أن الشراكة معه ـ ميدفيديف ـ ستكون أسهل».
مشكلة الأوروبيين ليست مع بوتين ولا مع ميدفيديف وإنما هي في الواقع مع رؤيتهم، أو «نقص رؤيتهم»، حيال روسيا. ومهما قيل عن هذه البلاد، فقيرة كانت أم مزدهرة، وعن رؤسائها من كلام «طيّب» و«تصالحي» فإنها تبقى بالنسبة لهم في خانة الخصم. ومهما قيل، لا تزال أوروبا وروسيا تفتقران عملياً إلى قدر كاف من الثقة والمعرفة المتبادلة بعيداً عن الأحكام المسبقة والمواقف الجاهزة. وزاد الالتباس في سياق ما بعد انهيار جدار برلين فالاتحاد السوفييتي «تفجّر» بينما تحوّلت المجموعة الاقتصادية الأوروبية السابقة إلى اتحاد أوروبي يضم 27 دولة كان البعض منها يدور في الفلك السوفييتي.
في هذا السياق الجديد ليست هناك أية رؤية استراتيجية لموقع روسيا في أوروبا. أي الرؤية المتعلقة بالإجابة على السؤال الخاص بمدى أوروبية روسيا؟ الإجابات عديدة ومتنوعة ومتناقضة أحياناً. ما يدركه الجميع هو أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع «ابتلاع» روسيا. إنها أكبر من ذلك. ولا يستطيع أيضاً «تجاهلها»، فهي حاضرة في واقعه وفي مخيلته وعالم أشباحه، وعليه التعايش مع هذا البلد العملاق الذي لم يتخلّ في أي يوم من الأيام عن طموح أن يكون قوّة كبرى على المسرح الدولي. ولم تغادره أبداً أحلام القوّة، وكان القيصر الاسكندر الثالث يردد «ليس لروسيا حلفاء إلاّ جيشها وبحريتها». تغيّرت الأدوات، لكن القول لا يزال ساري المفعول.
تبقى هناك نقاط خلاف راهنة بين الأوروبيين وروسيا لم تكن مشكلة كوسوفو سوى أحد تجليّاتها الأخيرة. الروس يرفضون شكلاً ومضموناً استقلال كوسوفو ويرون به سابقة قد تؤدي إلى المساس بالسيادة الوطنية للعديد من الدول وفي عدادها روسيا. وكان من الموقف الروسي المتشدد أن جعل صربيا أكثر اقتراباً من موسكو، ومن السهل فهم أن هذا ما تسعى له روسيا في سياق موازين القوى الأوروبي الراهن.
وهناك خلاف كبير في الرؤية حول الحلف الأطلسي ودوره ومستقبله. الروس، كما جاء على لسان الرئيس بوتين، يرون أن الحلف الأطلسي يسعى إلى أن يحل محل منظمة الأمم المتحدة، وبحيث تلعب واشنطن دور «المايسترو» للجوقة الدولية. بكل الحالات ترى روسيا في مشروع توسيع إطار الحلف الأطلسي وصولاً إلى حدودها القريبة في منطقة البلطيق مصدر تهديد مباشر لأمنها القومي، وعلى الأقل إضعافاً لقوتها ولهامش حركتها. كذلك يرى الروس أن عملية توسيع مجال الحلف الأطلسي لا علاقة لها بتحديثه، كما يقال، ولا في الأمن الأوروبي.
ولا شك هناك تباين في الرؤية أيضاً حول العديد من القضايا مثل الوضع في الشرق الأوسط والملف النووي الإيراني ومشروع الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا ومسألة النظام العالمي الجديد حيث «تريد أميركا إقامة عالم وحيد القطب، وهذا غير مقبول فقط وإنما غير ممكن»، حسب تصريح للرئيس الروسي بوتين في شهر فبراير من عام 2007. لكن بالمقابل ميادين التعاون بين الاتحاد الأوروبي وروسيا كثيرة ومتنوعة والأوروبيون هم الشريك الاقتصادي الأول لروسيا والمستثمر الأول فيها؛ وهي بدورها المصدر الأول للطاقة بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
الأوروبيون والروس يتحدثون كثيراً عن «شراكتهم» ولكن الواقع يقول شيئاً آخر. إن الوصول إلى شراكة حقيقية، وليس إلى مجرّد «زواج واجهة» يتطلب أولاً وأساساً امتلاك الثقة «المفقودة». ولا يهم بعد ذلك إذا كان رئيس روسيا اسمه بوتين أو ميدفيديف.
كاتب سوري