هل جاء الوقت الذي نشهد فيه من الغرائب وانقلاب الثوابت ما يحول الصغائر إلى كبائر والكبائر إلى صغائر، والفرعي إلى أساسي والأساسي إلى فرعي، والعدو إلى صديق والشقيق إلى عدو ؟!.

هل وصلنا إلى الحد الذي نجد فيه أنفسنا بحاجة للتذكير بالبديهيات البسيطة في محاولة لإقناع قادتنا وكبرائنا، وساستنا وعلمائنا، ومثقفينا وإعلاميينا، بإرادة اللقاء والوفاق على كلمة سواء ترضي الله وترضي الشعوب، بدلا من الجفاء والشقاق للخروج من أزماتنا البسيطة ومعاركنا الصغرى فيما بيننا، وللوقوف معا حيث يجب أن نقف معا لمواجهة أزماتنا المعقدة وقضايانا الكبرى ضد المعتدين علينا وعلى أرضنا ومقدساتنا وحقوق شعوبنا، وليس في الموقف الذي يريده أعداؤنا لنا للوقوف متفرقين متنازعين في مواجهة بعضنا..؟!

أخشى المجازفة بالقول إننا ربما نكون قد وصلنا في هذه السنوات العجاف التي تمر بها بعض أوطان أمتنا، وما نشهده فيها بأسى من اختلاط الأوراق والتباس المفاهيم وتبدل القيم، وتطاول الصغار وتصاغر الكبار، وانقلاب المواقف إلى تلك السنوات التي قال فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة في أمر العامة، قيل وما الرويبضة، قال الرجل التافه»؟! .

وعلى أي الأحوال.. مطلوب منا شعوبا وقيادات في كل المجالات، أن نقف وقفة مراجعة مع أنفسنا ووقفة حساب مع ضمائرنا، واحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما شجر بين العربي والعربي، وبين المسلم والمسلم من خلافات سياسية أو مذهبية أو حتى شخصية مادية أو معنوية، لصنع ما هو خير ومقاومة كل ما هو شر، ولنستعيد روح قيم العفو والتسامح فيما بيننا، لأن المسامح أكرم، وذلك قبل الدعوة إلى التسامح مع الآخر، ولتأكيد حالة السلام مع النفس ومع الأشقاء قبل الدعوة إلى السلام مع الأعداء، وبدلا من الدعوة إلى الخصام مع الأشقاء، لأن الخير أكثر فيمن يبادر بالسلام.

ولا أظن أننا كنا بحاجة لترديد ماتعلمناه جميعا في مدارسنا وفى بيوتنا من أساتذتنا ومن أبائنا لولا أن المتغيرات في المشهد الراهن تدعونا بعد القلق لإعادة تأكيد البسيط من الثوابت وإعادة ترديد البديهيات!. من بينها، أن التباعد يقود إلى الجفاء، وأن التواصل يزيل الشكوك ويزيد التفاهم، والجفاء بغير سعي للتواصل من الجانبين أو من وسطاء الخير ينقلب إلى عداء، والله يأمرنا باللغة العربية بالمبادرة إلى المصالحة وقطع القطيعة، ويدعو عقلاءنا وحكماءنا إلى السعي بين المتخاصمين بالصلح، واتخاذ موقف من الرافضين للحوار والمصالحة وضد الباغين والمعتدين.

وفي أجواء التواصل لا القطيعة، والصفاء بلا جفاء بين الأشقاء، سواء شركاء الوطن الواحد أو أشقاء الأمة الواحدة العربية والإسلامية يمكن للحوار أن يكون بديلا للشجار، وبالحوار يمكن أن يتحول الاختلاف إلى ائتلاف لا إلى تنازع وخلاف. وتحت مظلة اللقاءات الجماعية أوفي المشاورات الثنائية، يمكن للمتخاصمين العرب أو المسلمين الوصول إلى القواسم المشتركة والبناء عليها وإبقاء النقاط المختلف عليها موضوعا للحوار الدائم بهدف التقارب، بروح الأخوة والحرص المتبادل على توحيد الأهداف وتوحيد الصفوف وليس بروح المباريات غير الرياضية التي تثير الشجار لا الحوار، وتطلق الحملات والهتافات التي تكرس الفرقة والانقسام.

.. أليس الأجدر ببعض الأبواق الإعلامية التي لا تبرز إلا نقاط الخلاف، وتعتم على القواسم المشتركة، وتفتش عما يشين أو يدين، وتتجاهل ما يبرئ أو يزين، أن تراجع نفسها وتعبر عن ضمير شعوبها؟. أخيرا.. أليس دور الإعلام في النهاية هو أن ينير ولا يثير، وأن يوحد ولا يفرق، وأن يبني لا يهدِم؟.

mamdoh77t@hotmail.com