على الرغم من أن حربي العراق وأفغانستان تبدوان وقد انحسرتا عن العناوين الرئيسية في الصحف ووضعتا في ذيل قائمة الاهتمامات من قبل الساسة في واشنطن في الأسابيع الأخيرة، إلا أنهما مستمرتان، سواء كنا ننتبه لذلك أم لا. مؤخراً، كان لدينا تقدير جديد يفيد أن هاتين الحربين قد تكلفان دافعي الضرائب الأميركيين مبلغاً باهظاً قدره 7. 2 تريليون دولار، كل ذلك مضافاً إلى دين وطني يبلغ بالفعل 9 تريليونات دولار. وذلك مبلغ هائل بالنسبة لمغامرة خارجية اعتقد مخططوها أنها ستنتهي في غضون ستة أشهر ويدفع معظم تكاليفها من عائدات النفط العراقية.

ومؤخراً أيضاً، فإن الأدميرال مايكل مولين الرئيس الجديد لهيئة الأركان المشتركة، تحرك للتحدث إلى رواد الجيش الأميركي ونقبائه، الذين، إلى جانب الملازمين، الرقباء والجنود المتطوعين، يتحملون وطأة جولات القتال المتكررة في جبال أفغانستان ورمال العراق، وقد استمع الأدميرال إلى الكثير حقاً خلال وقفاته في فورت ليفنوورث، في كانساس، وفورت ستيل في أوكلاند، عندما سأل ضباط الميدان هؤلاء عما يدور في ذهنهم.

وأخبر الضباط أن العسكريين الأميركيين اليوم لديهم وفرة لا تُصدق من الخبرة القتالية بمستواهم بعد أن قام العديد من الضباط بجولتين أو ثلاث أو حتى أربع جولات من العمل الشاق، وأن مهمته تتمثل في توظيف تلك الخبرة كلها في السنوات المقبلة. وأخبر النقباء والرواد قائدهم بأن سياسة إعادة نشر القوات المتكررة على امتداد 15 شهراً في منطقة الحرب مع عودتهم إلى الوطن 12 شهراً فقط ـ في أفضل الأحوال، ليست جيدة بما فيه الكفاية. وقال كثيرون إن فترات غيابهم الطويل تشكل تهديداً لزواجهم وحياتهم الأسرية، وإن معدلات الطلاق بين صغار الضباط تحلق عالياً.

قال لهم مولين إنه يعكف على جعل الأمور متوازنة بشكل أفضل بعض الشيء، بحيث أنه بعد 15 شهراً من القتال سيضمنون العودة إلى بلادهم 15 شهراً على الأقل، ولكن حتى هدف بسيط بهذا القدر سيستغرق تحقيقه وقتاً في قوة تمتد على نطاق كبير كهذه القوة. ورد البعض بأنه حتى ذلك ليس جيداً بما فيه الكفاية، وأنه تمس الحاجة إلى العودة إلى الوطن 24 أو 36 شهراً بعد جولة القتال.

ويُذكر أن الجيش لديه نقص يبلغ 3000 نقيب ورائد هذا العام، وبدأ مؤخراً يعرض عليهم مكافآت تصل إلى 35000 دولار إذا وافقوا على البقاء في الخدمة لثلاثة أعوام أخرى. وتم التنبؤ بأن النقص سيرتفع إلى 6000 نقيب ورائد بحلول عام 2010 فيما يحاول الجيش أن يزيد بمقدار 65000 جندي.

وحتى مع عرض المكافأة النقدية أو متابعة الدراسات العليا مجاناً، أو اختيار المهام، فإن الخروج الهائل للضباط الشباب من الخدمة يستمر في التزايد بسرعة تقلق القادة. ومن المعروف أن الأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت أسست لتعليم ضباط محترفين للجيش، وعند التخرج فإن كل ضابط يدين للعم سام بخمسة أعوام من الخدمة النشطة. وما يعقد عليه الأمل هو أن معظم الضباط سيبقون حياتهم المهنية بكاملها، وتاريخياً فإن 8. 28% منهم فقط اختاروا الخروج من الخدمة بعد خمسة أعوام.

وما مجموعه 35% من خريجي ويست بوينت عام 2000 تركوا الجيش عام 2005، و46% من خريجي 2001 تركوا الجيش عام 2006، و58 % من خريجي 2002 تركوا الخدمة الفعلية عندما انتهى التزامهم هذا العام. تلك الأرقام تنعكس في صفوف الضباط الذين تم تكليفهم خلال برامج «آر أو تي سي» الجامعية، مع وصول معدلات الاستنزاف إلى الضباط الذين يبلغون من العمر 30 عاماً. ويفيد احتياطي الجيش أن الوضع أصبح أسوأ بالنسبة للرتب المهمة والاختصاصين.

والاحتياطي ليس لديه سوى 58% من الرقباء الأوائل، و53% من النقباء الذين يحتاجونهم و74% من الرواد الذين يحتاجهم. من الواضح أننا نستنفذ العناصر التي لا غنى عنها في العراق وأفغانستان. وسعت الإدارة ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع السابق، طويلاً، إلى خوض معاركهما بثمن بخس، من دون إضافة القوة البشرية التي تمس الحاجة إليها وإن كانت باهظة الثمن إلى جيش بدأ قوامه بـ 486000 جندي فقط في الخدمة النشطة.

وبحلول الوقت الذي تبدأ فيه القوى التي تمت الموافقة عليها لبدء إضافة 10000جندي سنوياً في زيادة «مؤقتة«، فوق الـ 80 ألف جندي التي يجب عليها تجنيدهم سنوياً فقط لإحلالهم محل الجنود المغادرين، فإن قيام الشباب والشابات بالتسجيل للخدمة العسكرية بات بالفعل مشكلة خطيرة لدرجة أن الجيش بدأ يدفع مكافآت مقابل التجنيد تصل إلى 20000 دولار للمجندين الجدد.

وللوصول إلى هذه الأعداد، قام الجيش أيضاً بتخفيض معاييره وبدأ بقبول تاركي المدرسة الثانوية وتقديم تنازلات لتسجيل المجندين الذين لهم سجلات إجرامية أو مشكلات بدنية وحتى بعض من سجل أقل نقطة في اختبار الكفاءة المهنية للخدمات المسلحة. وهذا الأمر زاد الطين بلة بالنسبة لهؤلاء النقباء الذين تحدث إليهم الأدميرال مولين مؤخراً. وشكا أحدهم أمره إلى مولين بقوله إنه كان مجبراً على قضاء 80% من وقته في معالجة 13 مشاغباً في سريته التي تتألف من 100 رجل.

قال مولين لصغار الضباط إن خدمته العسكرية تعود إلى حرب فيتنام، ويتذكر بوضوح كيف أن جيشنا تحطم في نهاية تلك الحرب، ومدى صعوبة إصلاح الضرر. وقال إنه لا يريد رؤية الحربين الحاليتين تدمران القوة مجدداً. ولكن ذلك هو على وجه الدقة ما يحدث فيما القوات والأسر والمعدات يتم سحقها عن طريق طلب الكثير للغاية من عدد قليل للغاية. فما يزيد قليلاً على نصف في المئة من المواطنين الذين يبلغ عددهم 300 مليون يحملون العبء برمته ويقومون بكل التضحيات في حرب الضرورة غير المنتهية بشكل لا يغتفر في أفغانستان وحرب الاختيار المكلفة في العراق.

يبدو أنه ليست هناك بواعث انفراج في الأفق، حتى بعد مغادرة الرئيس الأميركي جورج بوش لمنصبه في 20 من يناير 2009، وذلك خبر سييء بالنسبة لأميركا، وعار ما بعده عار إذا كنت ترتدي الزي العسكري وتخدمها.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص ل: «البيان»/font>