اختتمت القمة الحادية عشرة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في العاصمة السنغالية داكار أمس بدعوة قوية لاعتماد الحوار سبيلاً في العلاقات الدولية، وبخاصة مع الغرب، حيث تنشط فيه أيادٍ شيطانية تدفع نحو الصراع مستغلة أجواء الفوبيا من الإسلام وحالة الغضب التي تعتمل في قلب العالم الإسلامي جراء الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم والدين، وكان بارزاً أن المؤتمر الذي رفع غصن الزيتون تجاه الغرب حرص على رفع غصن الأمل للداخل عبر تأسيس صندوق للتنمية.
منذ ما بعد أحداث سبتمبر 2001 ما فتئ القادة المسلمون يؤكدون في كل مناسبة، فردية أو جماعية، على وسطية الإسلام وتسامحه نحو الغير، ونبذ الأفكار المتطرفة التي قد تظهر في بعض البقاع من العالم الإسلامي، لكن للأسف ما إن تهدأ الأمور حتى ينفخ كائن ما ليشعل ما خبا تحت الرماد مستغلاً نزعة الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) الآخذة في التحول إلى حالة عامة وخرجت من نطاق صانعي السياسات ومخططيها إلى الهيئات المجتمعية مثل الصحف والمجلات والسينما التي كانت تعتبر في العقود الماضية وسيلة مثلى للتقريب بين الشعوب.
على أية حال، أكدت قيادة منظمة المؤتمر الإسلامي على أن قادة الدول الإسلامية «سيتخذون القرارات المناسبة ضد مثل هذه الأعمال التي تنم عن كراهية للإسلام». وليس بجديد ما أكده المؤتمر أن الإسلام هو دين الوسطية ويرفض الغلو والتطرف والانغلاق، وأكد في هذا الصدد أهمية التصدي للفكر المنحرف بكافة الوسائل المتاحة، إلى جانب تطوير المناهج الدراسية بما يرسخ القيم الإسلامية في مجالات التفاهم والتسامح والحوار والتعددية. الحوار مع الآخر يتطلب منا التسامح والتعاون والسلام والثقة، ومكافحة التطرف المتستر بالدين والمذهب، وعدم تكفير أتباع المذاهب الإسلامية، وتعزيز الاعتدال والوسطية والتسامح، ورفض أن يفتي من ليس أهلاً للفتوى.
أما على الجانب الثاني، فيجب على الدول الإسلامية أن تتخلص من بذور التطرف التي تنمو في البيئات المساعدة حيث يكثر الفقر وتغيب التنمية والتعليم والتثقيف، لذا كان من بين أهداف قمة داكار الدفع باقتراح إطلاق صندوق التضامن الإسلامي للتنمية برصيد 10 مليارات دولار على أن تكون الانطلاقة بـ 6. 2 مليار دولار بهدف تحقيق التنمية المسلمة الشاملة الهادفة إلى القضاء على العوز والفقر. فكرة الصندوق خلاقة وهي الخطوة العملية المقابلة لجهود تجفيف منابع تمويل الإرهاب عبر تمويل منابع المعرفة والتعليم والعمل عبر الاستثمار في الإنسان في إطار معالجة شاملة لبناء القدرات وإبراز الصورة الحقيقية للإسلام وحضارته.
كل شيء حتى الآن جميل وبراق، ولكن المحك يبقى على تنفيذ ما يُتفق عليه، فبدون المصداقية في العمل وبدون التنفيذ العملي للقرارات يبقى التضامن الإسلامي مجرد كلام جميل، لا يدرأ الأمة عن أي مخاطر تحيق بها، سياسية كانت أو اقتصادية أو حتى فكرية كما هو الحال مع هجمة الرسوم المسيئة
وأيضاً الهجمة العسكرية التي تعرضت لها البلدان الإسلامية والتي باتت غيومها تتجمع بشكل أكثر كثافة حتى باتت خريطة العالم الإسلامي مستباحة، ما يستدعي موقفاً حاسماً، واضحاً، مدخله الوحيد هو العمل الجماعي على إبراز حقيقة الإسلام وقيمه السامية، والتصدي لظاهرة كراهية الإسلام وتشويه صورته وقيمه، وتجريم كل من يقترب من المقدسات عبر عمل قانوني منظم دون استعداء أو تعصب أو ردود فعل حادة تهدم لا تبني، تسيء ولا تجمّل.
