مرة أخرى تبرع السلطات الاسرائيلية في استعمال سياسة «التدويخ السياسي» مع الطرف الفلسطيني.وهي سياسة سبق لاسرائيل ان اتخذتها تكتيكا تفاوضيا مع ا لاطراف العربية والفلسطينية في مفاوضات السلام.

وترمي من ورائها الى جعل الطرف المقابل يفقد بوصلته ويرضخ للابتزاز من محطة الى أخرى ويقبل بتخفيض سقف طلباته.وهو ما يعني ترفيع سقف المكاسب الاسرائيلية.

على هذا الدرب، درب منع الطرف الفلسطيني حتى التقاط انفاسه واعادة ترتيب أوراقه، تمضي اسرائيل في تعاطيها مع الفلسطينيين... فلم يكد نزيف لدم الفلسطيني يتوقف في غزة (مؤقتا)، حتى انطلق الصهاينة ا لى «جبهات أخرى».

حيث اندفعت الآلة العسكرية الصهيونية الى الضفة تداهم الاحياء السكنية وعتقل العشرات وتوفر المقدمات لتصعيد جديد تخطط له لمزيد إرباك الطرف الفلسطيني وللحصول على الوقت الكافي لتحقيق أهدافها على الأرض.

ليس هذا فقط، بل ان بوصلة «التدويخ السياسي» الصهيونية لم تلتفت فقط صوب العدوان على الضفة، بل انها اتجهت صوب الاستيطان حيث اعطى رئيس وزراء اسرائيل الضوء الأخضر لبناء 750 وحدة سكنية في القدس الشرقية بغية اكمال عزلها نهائيا عن امتدادها الطبيعي في الضفة الغربية.

وهذا هدف اسرائيلي معلن وتقوم اسرائيل من خلاله برسم معالم ما تراه الحل النهائي على الأرض... بحيث تخلق أمرا واقعا بالتهويد وبالاستيطان وبالجدار العنصري لن يجد الفلسطينيون، في الذهن الاسرائيلي، مفرّا من الخضوع اليه عند الجلوس الى مائدة التفاوض.

ولئن كانت اسرائيل تتخذ من المفاوضات أحيانا ومن العدوان أحيانا أخرى غطاء للحصول على الوقت اللازم لانجاز مشاريعها على الأرض مستفيدة في ذلك من الدعم الامريكي الكامل واللامشروط، فإن السؤال المحيّر يتعلق بتمادي السلطة الفلسطينية في وضع كل بيضها في سلّة العملية التفاوضية.

مع علمها أكثر من الجميع بأن اسرائيل افرغت العملية من أية مضامين جدية وانها لا تهدف من ورائها الا الى كسب مزيد من الوقت قد يقول قائل ان هامش المناورة محدود أمام السلطة وأن موازين القوى راجحة بالكامل لفائدة الصهاينة.

وهذا أمر لا جدال فيه. لكن البدائل تبقى كثيرة وأولها التهديد بوقف المفاوضات نهائيا وليس مجرّد تعليقها ما لم توقف اسرائيل عدوانها وما لم توقف الاستيطان والتهويد.

وقد رأينا كيف هرعت ـ رايس ـ الى المنطقة لمجرد تعليق المفاوضات وكيف ضغطت على اسرائيل لوقف ا لتصعيد وإحلال التهدئة فكيف يكون الأمر لو أعلن الفلسطينيون وقف هذه المفاوضات العبثية والخالية من أية مضامين بطبعها؟

ثاني هذه البدائل هو الالتفات الى توحيد الصف الفلسطيني وتفعيل ورقة الوحدة الوطنية في وجه الاحتلال الذي يعمل على إذلال الجميع سواء بغطرسة القوة العسكرية على الميدان او بغطرسة القوة السياسية على طاولة التفاوض. ثالث هذه الخيارات هو تفعيل المقاومة بكل أشكالها لأن هذا العدو لن يعود الى الجادة ما دامت كل الموازين راجحة لفائدته.

إن تصرفات الصهاينة في الضفة ـ مع ان أي صاروخ لم ينطلق منها واطلاق غول الاستيطان مجددا تؤكد أن الساحة الفلسطينية أمام تحد حقيقي وهو أن اسرائيل لا تفرق بين فلسطيني وآخر وأنها لا تحتاج الى ذرائع أو مبررات للمضي في تحقيق أهدافها... والمطلوب هو أن يلتقط كل الفلسطينيين الاشارة قبل فوات الأوان.