قدمت اسرائيل أمس دليلا جديدا على أنها لا تتحمل أية مبادرة للسلام مادامت هي مستمرة في تربية شعبها على لغة العنف وصنفت كل خصومها في دائرة الارهاب حتى لو كانوا يحاولون تعديل مواقفهم لتتواءم مع القانون الدولي والشرعية الأممية والاتفاقات والتفاهمات التي تدعو الى وقف الاعتداءات الاسرائيلية والمستعمرات والانصات للغة العقل والتجاوب مع مبادرات السلام.
لقد قال كثيرون من المراقبين للشأن الشرق أوسطي من قبل ان اسرائيل لا تريد السلام ، ومع ذلك نجد من لا يزال يدعو إلى التمسك بالتفاوض مع اسرائيل رغم أنها دأبت على (عض) أي يد ممدودة إليها .
وقبل أيام وربما ساعات من خرق اسرائيل لاتفاق التهدئة الأخير الذي أعلنت قبوله على استحياء كانت مصادر الاعلام الاسرائيلي تتغنى بحماس وتتحدث بـ (اعتدال) عن قادتها وتصفهم بأنهم معنيون بالتهدئة ومعنيون برفع الحصار عن قطاع غزة وليس بالمواجهة العسكرية مع اسرائيل.
اذا ماذا حدث ؟ اغتالت اسرائيل في هجوم مفاجئ 5 فلسطينيين ، وكانت النتيجة أن قامت (سرايا القدس) باطلاق صواريخ وقذائف على سديروت وعسقلان ، وحملت اسرائيل حماس مسئولية هذه الصواريخ وهذا يعني الترتيب لحملة عدوان جديدة على غزة والاطاحة بأرواح مزيد من سكانها من المدنيين كما حدث في الأيام العشرة الأولى من هذا الشهر وتحديدا من 27 فبراير إلى العاشر من مارس الجاري وكانت الحصيلة حوالي 130 شهيدا بينهم نساء وأطفال.
وعادت من جديد لغة التهديد والوعيد من الجانبين ، واستمرت عمليات الاعتقال والاستيطان على قدم وساق ، فهل أصبحت اسرائيل ماردا خارجا من (قمقمه) لا يقوى أحد في هذا العالم على إعادته إليه؟
لا شك أن من اسباب (الحنق) الاسرائيلي شعور قادة اسرائيل بالفشل أمام عودة التقارب بين الفصائل الفلسطينية وقيام دول عربية بدور وساطة للتهدئة وتقريب وجهات النظر بين كل الأطراف المتصارعة ، وأيضا ميل قادة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى جانب القائلين بعدم إمكانية التفاوض أو التحاور مع اسرائيل في ظل التصعيد المستمر الذي تبادر به في كل مرة.
فالرئيس عباس اعتبر اعتداءات اسرائيل (تطهيرا عرقيا) سواء في غزة أو الضفة أو القدس. كما أكد أحمد قريع مسئول ملف المفاوضات ان الاستيطان تقويض لعملية السلام ، أما وزير شئون الأسرى في حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية فأكد ان الاعتداءات الاسرائيلية في الضفة وغزة تمثل ضربة قاصمة للعملية السلمية.
هذا بالاضافة الى تصاعد الرفض الدولي للعدوان الاسرائيلي خاصة على لسان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أمس ، والذي ندد بالاعتداءات في كلمته بقمة منظمة المؤتمر الاسلامي في داكار بالسنغال ، وهو أكثر التصريحات مباشرة ووضوحا للأمين العام ضد اسرائيل حتى الآن.
ولم تستسغ اسرائيل فقط الاعتداء المستمر على الشعب الفلسطيني وإنما استساغت أيضا التمرد المستمر على القوانين والاعراف الدولية ، وفي كل مرة تحدث المزاوجة بين العدوان والتمرد على الإرادة الدولية ينهار جانب كبير من هيكل المصداقية الدولية ، ويترك الساحة فراغا لكل أعمال العنف والعنف المضاد ، وهذا الواقع يستدرج الشرق الأوسط شيئا فشيئا لأتون الفوضى الذي سيحرق أول ما سيحرق إسرائيل نفسها ، وحينئذ لن يفيد القول إنها تدافع عن أمنها بعد توفر القناعات بأنها البادئة دائما بكل عدوان ، وها هو أبلغ برهان قدمته إسرائيل أمس.
