عندما تقوم إسرائيل بتوغلاتها العسكرية وتمارس أعمال القتل والحصار والتجويع والإهانة اليومية في قطاع غزة،والتي كان آخرها العملية العسكرية الكبيرة التي قامت بها إسرائيل في القطاع، تكون ذريعتها عادة أن مسلحين يطلقون صواريخ على الأراضي الإسرائيلية من غزة وأن حركة حماس التي تسيطر على القطاع مسؤولة عن إطلاق هذه الصواريخ أو متواطئة مع مطلقيها.
وبذلك تبرر إسرائيل لنفسها معاقبة مليون ونصف المليون فلسطيني وقتل العشرات والمئات منهم على مسمع ومرأى العالم، بحجة الرد على صواريخ لم تقتل خلال السنوات السبع الأخيرة سوى 13 إسرائيليا، بحسب تقرير نشرته مؤخرا صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية.
هذه الأكاذيب والذرائع الإسرائيلية قد تنطلي على بعض من لا يعرف حقائق الأمور في الشرق الأوسط، لكن العمليات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل بين الحين والآخر في الضفة الغربية، والتي تخضع للسلطة الفلسطينية التي يفترض أنها "شريك السلام" الذي تعترف به إسرائيل وتحاوره على طاولة المفاوضات، يصعب تبريرها بنفس السهولة.
فالعملية العسكرية التي قامت بها القوات الإسرائيلية مؤخرا، وذهب ضحيتها خمسة من قادة فصائل المقاومة، جاءت دون أن يطلق صاروخ واحد أو طلقة واحدة من الضفة ضد إسرائيل. ليس هذا فحسب، بل إن أحد الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وهو أحمد بلول، من قادة كتائب شهداء الأقصى التابعة لتنظيم فتح، التي تتبع لقيادة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
وكان بلول قد قال في مقابلة له مع صحيفة نيويورك تايمز في يوليو الماضي إنه كان يسعى للحصول على عفو إسرائيلي بعد أن أيد خيار المفاوضات. لكن السلطات الإسرائيلية رفضت منحه العفو وقتلته في أقرب فرصة سنحت لها.
هذه الجريمة الإسرائيلية البشعة تحمل رسالتين للفلسطينيين: إحداهما تتعلق بمكان ارتكابها والأخرى بالمستهدفين فيها. فإسرائيل وجهت تحديا صارخا للسلطة الفلسطينية في استمرارها بالاعتداء على الأراضي الواقعة تحت سلطتها، تماما كما تنتهك أراضي غزة كل يوم دون أي رادع.
أما الرسالة الثانية فمغزاها أن الفلسطينيين كلهم مستهدفون بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، ولن يغفر لهم حتى إعلانهم عن انتهاج الوسائل السلمية للوصول إلى حل للصراع.
هاتان الرسالتان الإسرائيليتان كانتا واضحتين، تماما كما كانت مئات الرسائل المماثلة السابقة، فمتى سيتمكن المسؤولون الفلسطينيون، من جميع التوجهات والفصائل، فك رموز هذه الرسائل والعمل على لم الشمل وتوحيد الصف أمام عدو يجاهر ليل نهار بعدائه للجميع؟ سؤال أمام القيادات الفلسطينية لعل الوطن يصبح الهم الأوحد للجميع.
