حقيقة لا أجد نفسي سعيدة بالتهليل لقرار مجلس الوزراء اعتماد اللغة العربية لغة رسمية في جميع المؤسسات والهيئات الاتحادية في الدولة، في خطوة لتعزيز الهوية الوطنية للدولة باعتبار أن اللغة تمثل إحدى الركائز الرئيسية لها، والمحافظة عليها تسهم في المحافظة على هويتنا وانتمائنا الوطني وموروثنا الثقافي والحضاري، لأن الأصل أن يكون ذلك حادثاً وواقعاً ماثلاً أمامنا وأمام الأجيال الحالية والمقبلة، لا أن نتدارك بعد سنوات من عمر الدولة وحضارة أهلها العريقة إهمالنا لسر وجودنا، ونحاول اللحاق بتلابيب اللغة خشية اندثارها.
وقد أصبحت الرابعة بين اللغات المتداولة في دولة عربية شعبها يتحدث العربية ويدين بالإسلام المنزل كتابه السماوي بالعربية، تعدادنا أقل من المليون نسمة، ثقافتنا واحدة، عاداتنا وتقاليدنا لا تختلف من منطقة لأخرى، وعلى الرغم من ذلك ضاعت لغتنا بيننا وقد اتخذنا سواها، بل أصبحت لنا لغات أخرى نتحدث بها في العمل والشارع والمدرسة وحتى البيت.
وصرنا نتباهى بتحدثنا بالإنجليزية، ولم نجد أي مشكلة في جيل تخرج من المدارس الخاصة لا يعرف العربية، وأصبح «يرطن» ليس في الكتابة والتحدث بالفصحى بل حتى اللهجة المحلية أصبحت مكسرة لدى الكثيرين من المواطنين، وحتى المسؤولين لا تسعف الواحد منهم إمكاناته اللغوية لإلقاء كلمة مرتجلة أمام محدثيه، بينما يحصل على درجة الامتياز في كلمته الانجليزية!
وضعنا اليوم صنعناه بأيدينا وما آل إليه الحال أيضا نحن السبب فيه، نشكو صعوبة مناهج اللغة العربية في المدارس ونؤيد أبناءنا في كرههم لدراستها، وحتى نتخلص من هذا الصداع نتجه للمدارس الخاصة، حتى جامعاتنا «الحكومية» اتخذت من اللغة الانجليزية لغة الدراسة بها، فأصبح لدينا خريجون يبتعدون أكثر عن لغتهم الأم، وهؤلاء أصبح سوق العمل أمامهم مفتوحا أكثر من أولئك الذين يتغنون بشعارات اللغة العربية والهوية والانتماء.
فلا نلومن أحد على ما نحن عليه اليوم، ولا نصب غضبنا على الآخرين، ونتهمهم بضرب لغتنا مقابل سيطرة لغاتهم على لغتنا وضياعها بين لغات أصبحت متداولة في كل مكان، فأصبحت كالماء الذي ينساب من بين الأصابع دون أن تتمكن من جمعه في الكف.
علينا وفي أيدينا الحل تدارك المشكلة حتى لا يكون بكاؤنا على لغتنا أكثر مرارة، وحتى لا تصبح سيدة اللغات غريبة بين أهلها، هذه إمارة عجمان قررت اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للمراسلات في دوائرها ومؤسساتها المحلية ولتكن كذلك في غيرها. مخجل حقاً أن نبحث في الأدراج ما يعيد للغتنا قوتها وهيبتها، وما يعيد إلى هويتنا وعاءها الذي أضعناه بأيدينا.
