حاولت في مقالي السابق الذي وسمته ب«مقاومة بلا دماء» أن أرسم الملامح الرئيسة للمقاومة المدنية من حيث أشكالها وأصنافها ومبررات انتهاجها. وحتى لا نقف عند حدود الأقوال النظرية سأسعى في هذا المقال إلى الانتقال إلى الجانب التطبيقي لأبرهن على فاعلية هذا اللون من الاحتجاج السياسي، حتى يمكن للمقاومة في العالم العربي أن تستفيد من تجارب الأمم السابقة.

وهناك نموذجان ناصعان في تاريخ «المقاومة المدنية» الحديثة، الأول كان ضد حكم عنصري مستبد، والثاني ضد احتلال أجنبي بغيض، وكلاهما نجح في لفت أنظار العالم بأسره إلى القضية الوطنية، والتأثير البالغ في الخصم، إما بإجباره على الركوع التام أمام الإصرار على تحقيق المصالحة بين الغايات والوسائل، بحيث لا يفارق أي منهما النبل والخيرية، وإما بتمهيد الساحة للكفاح المسلح.

والتجربة الأولى شهدتها جنوب أفريقيا حيث ركزت حركات التحرر الوطني في جنوب أفريقيا منذ بداية القرن العشرين على النضال المدني، الذي أخذ عدة أشكال متنوعة أدناها تقديم الشكاوى والالتماسات التي حملتها وفود طرقت أبواب بريطانيا في أعوام 1913 و1914 و1919، وكذلك برلمان جنوب أفريقيا، لعرض وجهة النظر الوطنية بشأن الأساليب المتعسفة والجائرة للحكم العنصري.

ونظم العمال هناك مظاهرات وإضرابات، كإضراب الرائد عام 1920 الذي شارك فيه ثمانون ألفاً من عمال المناجم، مطالبين برفع أجورهم، وإضراب 1946 الذي نظمه العمال أيضا لتحقيق الغرض نفسه. وهناك الإضراب الكبير الذي دعا إليه المؤتمر الوطني الأفريقي في مايو من عام 1950 احتجاجا على انتهاك الحريات العامة، ويوجد الإضراب الوطني الشامل الذي دعا إليه المؤتمر أيضا احتجاجا على قيام الشرطة بقتل المتظاهرين ضد القوانين العنصرية.

وسلك مواطنو جنوب أفريقيا السود أيضا أسلوب مخاصمة الحكم العنصري، ومن أمثلته ما جرى عام 1935، حيث رفض أعضاء مجلس تمثيل الأهالي التعاون مع الحكومة في تطبيق القوانين العنصرية حتى أوائل الخمسينات من القرن العشرين.

ومارس مقاومو الحكم العنصري في جنوب أفريقيا أيضا العصيان المدني، ونظموا حملة قوية في هذا الاتجاه ضد القوانين العنصرية ابتداء من عام 1952، شارك فيها ثمانية آلاف متطوع من مختلف أرجاء البلاد. وحين فرضت السلطة تصاريح مرور على السود عام 1957 ردوا بحرق هذه التصاريح ، وتظاهروا ضدها في مظاهرات عارمة انتهت بمذبحة شار بفيل في 21 من مارس 1960، التي كانت نقطة تحول مهمة في تاريخ الحركة الوطنية في جنوب أفريقيا.

حيث اضطرت إلى اللجوء إلى العنف وانتهجت المقاومة المسلحة طريقا لانتزاع الحقوق ومقاومة الظلم. كما نظم المؤتمر الوطني الأفريقي العديد من حملات المقاومة، منها حملة مقاومة طرد الأفريقيين من ضاحية شوفياتون بجوهانسبرج، وحملة مقاطعة المدارس الحكومية احتجاجا على تطبيق قانون تعليم البانتو لعام 1952، وحملة مقاطعة وسائل المواصلات في الحضر احتجاجا على رفع الأجرة عام 1957.

أما التجربة الثانية فقد رسم الزعيم الهندي الخالد المهاتما غاندي ( 1869 ـ 1948) ملامحها ومعالمها وحدد لها مقاصدها وأساليبها، مستفيدا مما قرأه من أعمال لمفكرين إنسانيين من أمثال تولستوي وثوربو وإمرسون وراسكين وغيرهم.

وقد انطلق غاندي في طريقته هذه المعروفة باسم الساتياجراها سفُّيهْفوف من أن أي عنف لا يلغي الظلم، فالعنف يؤدي دوما إلى الاستغلال والطغيان، وأن النضال من أجل الحقيقة لا بد أن يلازمه الحب، وأن الغاية الطيبة لا يمكن الوصول إليها بوسائل شريرة، إنما بإفناء الروح ضد إرادة الجور والاستبداد، ومكابدة المعاناة الذاتية لتحقيق أقصى درجة من الشجاعة والتحرر من الخوف، والتعامل بندية ظاهرة مع الخصم، وتحويل الصراع إلى «توتر خلاق» يساعد في تدمير السلطة الباطشة أو المحتلة واستبدالها بأخرى وطنية.

وتنفيذا لفلسفته أو فكرته هذه دعا غاندي الهنود إلى رفض إطاعة قوانين معينة مع ممارسة سلوك مغاير من دون الانزلاق إلى أي عنف. وقد لجأ غاندي إلى هذه الطريقة أثناء إقامته في جنوب أفريقيا، للاحتجاج على أوضاع العمال الآسيويين هناك، ونقل التجربة إلى الهند في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، واستخدمها في تعبئة الناس للاعتراض على ضريبة الملح المغالى فيها، ثم توظيفها في رفض الاحتلال البريطاني برمته.

وتقوم هذه الطريقة أيضا على عدم التعاون مع الاحتلال، والامتناع عن تزويد سلطاته بأي مدد يضخ في أوصاله قوة دائمة تساعده على الاستمرار، سواء كان هذا المدد رجالا أم مالا، ولذا طلب من الموظفين الهنود ألا يعملوا، وطلب من نواب المجالس المحلية أن يقدموا استقالاتهم، وأن يخرجوا أولادهم من المدارس والجامعات التي تديرها الحكومة، ويساهموا في إقامة مدارس وطنية بديلة تقوم على التطوع.

كما قامت هذه الطريقة على مقاطعة المحاكم البريطانية وإقامة محاكم وطنية بدلا منها، ومقاطعة البضائع الأجنبية، والاعتماد على المنتجات المحلية مهما كانت بسيطة، والصوم عن الطعام. وامتدت هذه الطريقة المبتكرة في العصيان السياسي إلى جلوس الهنود على قارعة الطريق لإعاقة مرور المحتلين، أو خارج المكاتب الحكومية في حالة اعتصام مزمن، فإذا قامت الشرطة باعتقالهم ذهبوا معها طائعين إلى السجون، وهم يبدون لها قدرا هائلا من اللامبالاة والتجاسر.

ويبلغ الأمر مداه مع إقامة دروع بشرية ضخمة من الرجال والنساء والأطفال لمواجهة الغزو الخارجي. فغاندي رأى في احتشاد الناس العزل على الحدود لصد القوات الغازية طريقة مثلى في هزيمة المعتدين، إذ إنهم لو كانوا مستعدين في البداية للسير بدباباتهم ومدافعهم وعرباتهم المصفحة فوق أجساد الملايين فإنه ليس بوسعهم أن يستمروا في أسلوبهم الدموي هذا إلى النهاية.

وكما يقول غاندي: «لو ظهر نيرون جديد فإن جوانحه لن تخلو من قلب لا بد أن يتأثر بقتل وجرح هذه الطوابير البشرية اللا نهائية التي لا تفعل سوى الاحتجاج السلمي، فقد يقتل إنسان إنسانا في ميدان المعركة، لأن شأن الحرب هكذا، إما قاتل أو مقتول، لكن ليس بوسع أحد أن يستمر في قتل من لا يتوقع منه أن يقتله، وإذا حدث أن ارتكب جيش هذا العمل الفظيع، فلن يقدر على أن يكرره مرة أخرى».

وقد عرض غاندى إقامة هذا الدرع البشري الضخم عام 1931 أثناء محادثات له في سويسرا، ونصح بلاد الحبشة بأن تفعل هذا حين اجتاحها الجيش الإيطالي عام 1935، وطلب الأمر نفسه من اليهود في مواجهة أدولف هتلر عام 1938. وفي العام نفسه قدم النصيحة ذاتها إلى الصينيين في مواجهة اليابانيين، وإلى التشيك والبولنديين في التصدي للألمان.

ولإعطاء العصيان السياسي دفعة قوية وحقيقية قام غاندي بإنشاء منظمة عام 1930 ضمت شخصيات بارزة من مختلف ولايات الهند، وفريقا متطوعا أخذ على عاتقه تدريب الناس على الشروط الدقيقة للاحتجاج اللاعنيف.

وكان غاندي يتدخل دوما في الوقت المناسب لتعديل أو تغيير بعض الأساليب في إطار الرؤية العامة والخطوط العريضة للسياتياجراها حين يشعر بضرورة ذلك، من دون أن يفقد إيمانه بفاعلية هذا الأسلوب في أي لحظة من اللحظات، فهاهو يتصدى لاعتراض الشاعر الهندي الشهير طاغور على مسألة عدم شراء الملابس الأجنبية وحرقها بدعوى أنها إجراء سلبي، ويقول لطاغور في ثبات إن الاحتلال البريطاني نفسه هو الذي يقوم على طريقة سلبية في التعامل مع الهند.

إن هاتين التجربتين المهمتين أولى بالنظر من قبل المقاومة في فلسطين والعراق، للاستفادة منهما في مواجهة الاحتلال، لتقليل كلفة المقاومة وزيادة درجة فاعليتها ... فهل من مدكر؟

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة