يعجز القلم أن يسطر كلمات بحق زميل وصديق بل رفيق سرنا معه درباً طويلة وهاهو يغادرنا فجأة وإلى الأبد. الحزن يغمرنا وسلوانا تلك الذكريات الجميلة التي تطوف في الخاطر فتخفف من أسى الفراق ولوعته. صورته أمامي الآن وقد دخل علينا في مكتبة نادي الاستقلال في أحد أيام العام 1972.

وقد ارتدى لباساً يشبه لباس «القيادة الصينية» ليعرض على عجل للأستاذ خليل حيدر (أمين المكتبة والكاتب الصحافي المرموق في الزميلة الوطن والاتحاد حالياً) شروحات ماوتسى تونغ «الخلاقة» للديالكتيك، ثم يذهب إلى غرفة مطالعة المجلات والصحف فيقلبها سريعاً لينصرف إلى الصالة الكبيرة ليلعب قليلاً لعبته المفضلة تنس الطاولة ثم ليقود سيارته الفولفو مغادراً النادي.

وما أن دخلت الجامعة في بداية حرب أكتوبر في العام 1973 حتى كانت معرفتي كبيرة بالربعي، ثم بمبادرة منه قررنا أن ننشئ قائمة لنخوض الانتخابات الطلابية فعقدنا اجتماعاً في بيت راشد محارب ( في السالمية خلف مسجد الشيخة بدرية ) ضم الاجتماع سبعة عشر طالباً منهم الدكتور خالد الوسمي ويوسف الإبراهيم ( وزير التجارة السابق ) والدكتور فلاح المديرس ومطلق مساعد العجمي وحسين العتيبي وعايد المناع - وإن لم تخني الذاكرة - علي الزامل وكان معيداً آنئذ، وطالبتين أتذكر اسم واحدة منهما وهي السيدة آمال الغربللي. وقد أطلقنا على التجمع الطلابي اسم القائمة الديمقراطية، حيث تغير اسمها إلى قائمة الوسط الديمقراطي فيما بعد وهي ما زالت قائمة طلابية فاعلة إلى الآن.

لم يكتف الربعي بذلك، بل تطلع إلى تأسيس قائمة يخوض بها انتخابات جمعية الدراسات النفسية والفلسفية والاجتماعية، وبما أنني كنت طالباً في هذا القسم، فقد قررت النزول معه في قائمة ضمت إلى جانبنا الأخت نادية جبارة ومنى الزياني ( طالبتين من البحرين ) والمرحوم زميلنا محمد رزوقي.

وفي الجمعية العمومية استطاع المرحوم أحمد الربعي بمنطقه البتار وبقدرته الفائقة على النقاش وبسحر حديثه الأخاذ أن يكسب ود وإعجاب الحضور وأن يضعف من حجج زميلنا الدكتور محمد الحداد، الذي كان رئيساً للجمعية وحالياً يزاملنا في قسم الاجتماع بجامعة الكويت. وكسبنا الانتخابات، ومع مرور الوقت اكتشفت طبائع وسجايا زميلنا أحمد الربعي، فهو لم يكن يطيق العمل التنظيمي برتابته وبقيوده وبانضباطه. كان شخصاً قيادياً بالفطرة له كاريزما قوية وجذابة تعجز القوالب أن تؤطره في حدودها.

ومن الطرائف في هذا الخصوص أننا نظمنا حفلة بمناسبة فوزنا في كافتيريا الخالدية - التي كانت تعج نشاطاً وحيوية في تلك الأيام - وقد افترضنا أن أحمد الربعي سيكون أول الحاضرين، بل وسابقاً عليهم بوصفه رئيساً للجمعية ولأننا كنا نقوم بالتحضير.

بيد أن الربعي لم يحضر واستمر تدفق الحضور والكل يسأل عنه، وتأخر الوقت وبعد مدة طويلة حضر الربعي وسط استغراب الحضور، وكان بصحبة «فرقة عدنية موسيقية» لإحياء الحفل، وحينما سألناه عن سبب التأخير ذكر لنا بأنه كان يجمع أفراد الفرقة بين بيوت وأزقة «المرقاب »!!

كان لأبي قتيبة قدرة عجيبة على كسب الأصدقاء وكانت معارفه واسعة يعجز المرء على تصور حدودها، ولم تكن تؤثر في علاقاته بالآخرين اتفاقهم أو اختلافهم معه، وكنت في تلك الأيام - أقصد أيام الجامعة والعمل الطلابي - كثيراً ما أختلف معه خاصة حينما كان ينتقد ما كان يسميه بالقيادة التقليدية ويقصد بها قيادة المعارضة البرلمانية برئاسة الدكتور أحمد الخطيب.

بيد أن هذا الاختلاف لم يكن يفسد للود قضية، إذ سرعان ما نعود للعمل المشترك. وكانت طاقته عجيبة في التحرك رغم ضجره بالعمل المنظم، كان رحمه الله تنظيماً بحد ذاته، فتجده في اليوم الواحد يطوف على عدد كبير من الأصدقاء والمعارف والتجمعات والديوانيات والمخيمات وغيرها.

وقد استفاد من ذلك حينما رشح لانتخابات مجلس الأمة في العام 1985 بعد تخرجه من جامعة هارفارد وحصوله على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية. وكانت حملته الانتخابية مميزة كتميز شخصيته، فكانت في لجانه الانتخابية العاملة بعضاً من النساء الناشطات في الشأن العام.

وكانت الفرحة بفوزه أيضاً مميزة، إذ غنى بتلك المناسبة الفنان العراقي فؤاد سالم معبراً عن فرحته بفوز الربعي، وهي المرة الأولى وما زالت الأخيرة التي يغني فيها مطرب في مخيم انتخابي بمناسبة فوز مرشح. لم يقف تميزه عند ذلك، بل امتد إلى قيام مجموعة من الناشطات بتقديم التهاني إلية و« بالتيبب» (الزغردة) في مجلسه.

كنت أتمنى من صميم قلبي أن يبقى الربعي نائباً يمثل الأمة، لأن شخصيته جبلت على مثل هذا العمل ولأنه نشاط يتماشى مع طبعه، بيد أن الأقدار أخذته إلي كرسي الوزارة لوزارة مهمة بالنسبة لخصومه السياسيين من الجماعات الدينية التي ترى أن وزارة التربية هي قلعتها الحصينة التي لا تتخلى عنها!!

وقد وضع منذ اليوم الأول (نكهة) على عمل الوزير، إذ بدل أن يداوم في مكتبه الوثير اختار مدرسة ابتدائية في الجهراء ( تبعد ثلاثين كيلومتراً في طريق البصرة ) ليجول بها ويطلع على أداء مدرسيها ويقيس بنفسه مستوى تلامذتها. حاول الربعي أن يغير في وزارته، بالذات فيما يتعلق بالمناهج التي بدأت في السنوات الأخيرة يطغى عليها التسيس حتى غدا أبناؤنا يحفظون شعر (سيد قطب) بدلاً من شعر المتنبي!! بيد أن رياح الوزارة التي لا يقر لها قرار في الكويت عصفت به قبل أن ينهي ما كان يدور بخلده.

لم يكن رحمه الله في مرضه كالآخرين أيضاً، فكان رابط الجأش متفائلاً حتى في أحلك أوقات مرضه وأحرجها. فحينما تأكد من وجود الورم الخبيث في دماغه ونقل إلى مستشفى ماستشيوست العام في بوسطن بالولايات المتحدة، أخذ يقوم بدور الأخصائي الاجتماعي، إذ عمل ديوانية للمرضى وأخذ يقوم برفع معنوياتهم وحثهم على الصبر والجلد. ولم يتخل عن عزمه وقوته حتى حينما أدرك أن الموت قاب قوسين أو أدنى منه، حينما استنفد الطب كل وسائله، وكأني به رحمه الله ينشأ كما أنشأ شاعره المفضل المتنبي:

وإذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جباناً

فجيعتنا كبيرة وعزاؤنا أنك يا أبا قتيبة ستظل دوماً في قلوبنا وأفئدتنا

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com