فلسفة التاريخ علم ـ والبعض لا يراه كذلك ـ نشأ ليحاول تفسير التاريخ الإنساني لا مجرد الاكتفاء بسرد حوادثه أو تدقيق وقائعه، وقد غلب على اجتهادات فلاسفة التاريخ التركيز المبالغ فيه لكل واحد أو كل مدرسة على عامل بعينه ينسبون إليه الفضل الأكبر ـ أو الأوحد ـ في تحريك التاريخ، فظهر تفسير دارويني وآخر ديني وثالث فردي يربط حركة التاريخ بالبطل الفرد ورابع طبقي يربطه بدور طبقة أو الصراع بين طبقات، وهكذا.
لكن من الاجتهادات المهمة في فلسفة التاريخ محاولة تفسير التاريخ عبر التركيز على دور التكنولوجيا، فمعظم النظريات السابقة تشكل وجهاً من وجوه الصراع الأيديولوجي في العصر الحديث، بينما التركيز على التكنولوجيا كمحرك للتاريخ يكتسب أهمية متصاعدة منذ لعبت التكنولوجيا دوراً حاسماً في تحديد نتيجة الحرب العالمية الثانية ومن بعدها الحرب الباردة الأميركية السوفييتية.
وللمؤرخين وفلاسفة التاريخ اجتهادات مهمة حول دور اختراعات مثل العجلة أو المطبعة أو المحرك البخاري أو البارود أو الترانزيستور، وصولاً إلى الكمبيوتر ليس فقط في صياغة العلاقات بين الدول وتحديد مواقعها على ساحة السياسة الدولية والتوازنات الاقتصادية بينها وبين الآخرين، بل حول تأثيراتها الكبيرة على الفرد والأسرة والجماعة البشرية.
ومن القصص التي تجمع بين الطرافة والأهمية في سياق دور التكنولوجيا في تحريك التاريخ ما يسمى «حادثة توشيبا» التي أصبحت تعد علامة فارقة في تاريخ الصراع التكنولوجي الأميركي السوفييتي. ففي مارس 1987 اكتشف أن شركة توشيبا اليابانية عقدت صفقة قيمتها 18 مليون جنيه استرلينى باعت للسوفييت بمقتضاها معدات الكترونية متطورة لخرط وصقل المعادن استخدمها السوفييت لتخفيض الضوضاء الناجمة عن دوران مراوح دفع غواصاتهم النووية
ما أدى إلى صعوبة تعقبها من قبل أجهزة الرصد التابعة لحلف الناتو، والتي كانت قد اعتادت على مستوى مرتفع من الضوضاء تولدها تلك الغواصات وكانت النتيجة أن الغرب سيتكلف 30 مليار دولار لإنتاج أجهزة لرصد الغواصات أكثر فاعلية، وهو ما وصفه بعض السياسيين الأميركيين آنذاك بأنه رد «على الطريقة اليابانية» على هيروشيما ونجازاكي.
وصحيح طبعاً أن تاريخ العلم والتكنولوجيا في العصر الحديث يكاد يكون غربياً خالصاً لكن من الصحيح أيضاً أن أمامنا، ربما للمرة الأولى منذ قرون، فرصة لأن نشعر بأننا نساهم بنصيب ولو قليل في دفع مسار تاريخهما. فكما أن من المجافي للحكمة الإغراق في اجترار ماضي الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي لإقناع أنفسنا بأننا «أمة عظيمة» فإن من الظلم الشديد لواقعنا أن نهدر بجرة قلم قيمة إنجازات علمية وتكنولوجية معاصرة لها ثمرتان: رمزية تتمثل في بث الأمل وتسجيل معالم يمكن أن تكون يوماً حافزاً لفرد أو جماعة ألا يفقدوا الأمل في المستقبل، والثمرة الثانية أن لها قيمة تحليلية حقيقية.
فعندما فاز العالم المصري أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء قبل سنوات، ورغم أنه حصل عليها وهو يعمل في أميركا ما يعني أن الجائزة هي لإمكانات هذا البلد وقدرته التنظيمية الفائقة التقدم وليس لبلده الذي ولد فيه، فإن الإنصاف يقتضينا الإقرار بأن زويل هاجر بعد تخرجه من الجامعة ما يعني أن الجزء الرئيس من «بنية» العالم كانت قد تكونت وبالتالي فإن التغريبة الأميركية كانت فرصة أتيحت لـ «عالم» ليصل لأقصى درجات النجاح ولم تكن عملية تحويل «جاهل» إلى عالم، باختصار ما زال لدينا شيء يمكن البناء عليه، وهو شيء ليس بالقليل.
والقضية هي في الحقيقة قضية الخيط الدقيق الذي يفصل بين الأمل والوهم، فالتغني الأزلي بأمجاد الأجداد عندما يصبح مخدراً يمنعنا من رؤية الواقع المرير فإنه يكون إدماناً عقلياً وعاطفياً وخيم العواقب، أما الأمل فهو على رغم كونه موقفاً نفسياً إلا أنه في الحقيقة شرط موضوعي للنجاح في بناء مستقبل أفضل، فضلاً عن أنه في المقام الأول ثقة حقيقية في الله وفي رعايته للإنسان ورحمته به.
وقد تعزز لدي الأمل بأن الأمل يمكن أن يتحول إلى حقيقة ملموسة في الأفق المنظور عندما قرأت خبراً على موقع سي إن إن العربي (24/ 2/ 2008) وقد انتظرت قبل الكتابة عنه لأراه منشوراً في أي وسيلة إعلام عربية لم أجد له أثراً في الإعلام العربي لا الورقي ولا الالكتروني ولا الفضائي حتى الآن. والخبر عنوانه الحرفي: «صبي أوزباكستاني يخترع أفضل محرك في التاريخ.
وفيه أن صبياً من أوزباكستان عمره 15 عاماً (اسمه معروف أو فوزي)، لفت الأنظار إليه حيث بات قريباً من أن يصبح نجماً دولياً، وذلك بفضل موهبته التي قادته إلى اختراع يبدو العالم الآن في ذروة الحاجة إليه: محرّك سيارة عادي ولا يختلف في شيء عن المحركات التي نعرفها ولكن مع اختلاف واحد ومهمّ هو أنّه يعمل بالهواء المضغوط. وسرعان ما استرعى الصبي اهتمام وسائل الإعلام الدولية رغم أنه كان يشارك فقط في مهرجان لاختراعات الشباب.
والمشروع الذي فاز به بجائزة المعرض ـ حسب وصف سي إن إن نفسها ـ يعدّ إنجازاً فريداً من نوعه في هذا الظرف العالمي الذي يجمع فيه الجميع على ضرورة التخلّص من المحركات الكلاسيكية بسبب تلويثها للبيئة ونهمها إلى الطاقة الناضبة والغالية جداً.
وزيادة على ذلك فإنّ ما يجعله مميّزاً أكثر هو أنّه مزود بخزّان يتزوّد بنفسه دون الحاجة إلى وسيط حيث يملأ نفسه «بالوقود» المتمثّل ببساطة في الهواء العادي، وذلك عندما تكون السيارة في حال سير، ولذلك فإنه ما من حاجة إلى إنتاج أو توزيع الهواء المضغوط. وكان من غير المفاجئ أن ترسل أكبر عمالقة الصناعة الألمانية وفداً إلى الصبي معروف من أجل الفوز بفكرته.
قصة معروف أو فوزي يعيد طرح سؤال مهم عن هوية العلم وعالميته، وفي الحقيقة فإن بعض مثقفينا يحرصون على تسليط الضوء على الدور الغربي في العصر الحديث مؤكدين أن العلم هو بالضرورة «غربي» الهوية، فإذا طال الحديث إنجازاً عربياً أو إسلامياً كانوا أول من يخون المبدأ معلنين أن العلم عالمي لا هوية له، وفي الحقيقة فقد سعدت بأن يكون صاحب هذا الاختراع مسلماً، لكنني تساءلت في الوقت نفسه: هل كان بالإمكان ظهور معروف أو فوزي في ظل الحكم السوفييتي؟
وكانت الإجابة: على الأرجح لا!
كاتب مصري