في لحظة من لحظات انفراد الإنسان بذاته بعيداً عن العالم وعن مؤسسات إعلامه المقروءة والمسموعة والمرئية التي تنقل إلى عيوننا وآذاننا يومياً مشاهد وأخبار الموت والدمار الذي ينتشر في كل مكان: في أرض الرشيد و أرض صلاح الدين، بل إن التهديد قد وصل إلى الأطراف، فها هم أحفاد الإرهاب في مدينة الكويت، مدينة الديمقراطية القديمة، يسعون إلى نقل المعركة إلى عواصم التوافق الطائفي لإنعاش مشروع الطائفية البغيض، وهذه حالة محالة بكل المعايير، فلا البحرين أو الكويت أو الرياض تقبل أن تكون عاصمة للصراع الطائفي!!
في أجواء التماهي مع حديث الذات هذا تذكرت ذلك الإنسان القادم من أرض الجزيرة، ذلك الإنسان الذي رفع راية الحرية والاستقلال ضد قوى الاحتلال التي حاولت (ولكنها فشلت) في تحقيق حلمها في زرع الفراغ بين سلطة الشعب والسلطة الحاكمة الممثلة بآل الصباح والتي تفخر بأن واضع اللبنة الأولى الأمير عبدالله سالم الصباح فيها أرسى قواعد ديمقراطية راسخة تقوم على احترام إرادة الشعب، وعلى احترام نظام الإمارة التي عليها أن توجد الأطر المناسبة لتمثيل الشعب في السلطة. وهكذا كانت الكويت من أوائل دول الخليج العربي التي أقرت مجلساً للنواب ينتخب انتخاباً مباشراً من الشعب.
كان ذلك الفارس الذي ترجل عن مقعده في الأسبوع الماضي يدرك أن التطور مع الحياة، كان من أبناء تلك المعركة الأزلية بين المشروع المثالي والمشروع الواقعي. عادت بي الذاكرة إلى سنوات الدراسة الأولى في مرحلة جمعت بين كل الأطياف السياسية على الساحة الخليجية.
وحينما تم اللقاء في ثانوية الشويخ، أو بالأحرى جامعة الكويت، والتي كانت مجمعاً لأبناء مجلس التعاون قبل إعلانه، بين جيلين، جيل يؤمن بالتطور والتحول من التقليدية إلى الحداثة، جيل جديد يرى أن التقدم قادم، وجيل يعتقد بالتطور الحتمي، مع فارق الرؤية بين الجيلين. بين من يراهن على التطور الطبيعي الخالي من الهزات وبين من يرى ضرورة صناعة هذا التطور والإقدام على اتخاذ حلول جذرية.
كانت تلك البدايات في مشوار الراحل د. أحمد الربعي والذي ظل مؤمناً بأهمية تحقيق الحياة الكريمة للإنسان، وأن الحياة هي نضال من أجل غد أفضل، سواء في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كان لا يهدأ له بال، يعمل بصورة دائمة في الصحافة والتدريس في جامعة الكويت وينتقل بين دول مجلس التعاون والدول العربية فقد كانت هموم الأمة العربية تثقل كاهله، وهذا ليس بالغريب على إنسان انخرط في الكفاح المسلح في فلسطين في ريعان شبابه.
كانت فترة الاحتلال مطلع تسعينات القرن المنصرم بالنسبة له هماً جديداً، ذهب مدافعاً عن وطنه في كل مكان، يحاول مقاومة الاحتلال بشتى الطرق إلى أن تم التحرير، وظل وفياً لكل من وقف مع الكويتيين في تلك الأزمة. وظلت العلاقة الشخصية مستمرة فيما بيننا قبل العملية أو بعدها، لكن يبدو أن ذلك المرض الخبيث قرر أن يحرمني من صديق جديد قديم، فقبل أحمد رحل عنا غانم غباش ورحل بعده صالح العبيدي، نفس المرض.. يصيب أعز الأصدقاء.
إن ما يجمع بين الثلاثة رحمهم الله، حب الناس، والعمل من أجل الآخرين.. وليس المجال هنا لذكر الكثير حول ذلك إلا أنها المعاناة نفسها، عدم الاستسلام للمرض، فالرغبة في استمرار العطاء ظلت تحكم سلوكهم و تصرفاتهم حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم، إنه تحدي إرادة الحياة مع إرادة الموت.
من المؤكد أن الطريق الذي سار به أحمد الربعي، قد ترك بصماته على العديد من البشر، سواء في الخليج أو الوطن العربي الكبير، ومن هنا سيظل أحمد الربعي حياً لا ينسى، كما هو الحال للراحل غانم عبيد غباش - والذي مرت الذكرى التاسعة عشرة لوفاته يوم 3/3/1989.. يبدو أن الحياة لا تنسى من يعمل من أجلها.
كثير من الناس يحاول الآن أن يقيم تجربة هؤلاء ومشروعهم التطويري، كثير من الناس الآن يتحدث عن فشل هذا المشروع وإخفاقه، وكثير من الناس يسأل ماذا فعل هذا الرعيل الذي تفاخرون به؟ فهم لم يستطيعوا أن يحققوا مشروعهم الاجتماعي ولا مشروعهم الوطني ولا مشروعهم القومي، إنها مسبة جاهزة، عندما يتناول بعض الكتاب الهامات الكبيرة في تاريخنا، ولم يسلم منها حتى قائد في مستوى عبدالناصر وياسر عرفات وآخرين، ولكن هل صحيح أن المشروع القومي قد فشل؟
هل صحيح أن المشروع الاجتماعي قد فشل؟ من الظلم أن نسلم بذلك، إن الذي ينظر إلى خريطة الوطن العربي لا بدّ أن يرى أنه على الرغم من الأحداث المأساوية التي تشهدها، فإن هذا المشروع ما زال حياً، وإنه ما زال ينبض دافقاً هنا وهناك، وإلا فكيف نفسر اتساع دائرة الديمقراطيات في الوطن العربي، وكيف نفسر إذعان الكثير من الحكومات لإرادة الشعب بمنع الاعتقالات التعسفية للمفكرين والسياسيين، وأن تكون هناك لجان وجمعيات لحقوق الإنسان تتحرى عن التجاوزات والانتهاكات هنا وهناك لتعريها أمام الجماهير؟.
وكيف تفسر أن الشعب الفلسطيني لم يرضخ ولم يستسلم مع حجم الدمار الذي زرعته إسرائيل في أرضه؟. وكيف نفسر أن إسرائيل التي كانت ترفض أن تكون لها حدود وإذا تواضعت فإنها ترى أن حدودها من الفرات إلى النيل، إنها الآن تحشر نفسها خلف سور لا يقل بشاعة عن سور برلين الذي لم يصمد طويلاً أمام التطور الذي شمل أوروبا الشرقية في نهاية القرن المنصرم حيث انهار لتنتصر إرادة التغيير، وليس بعيداً ذلك اليوم الذي سينهار الجدار الإسرائيلي ومن خلفه المشروع الصهيوني.
لقد رحل أحمد الربعي وغيره كثيرون من الذين أسسوا للمشروع الوطني الاجتماعي ولكن مشروعهم ما زال حياً ينبض. في هذه المناسبة الأليمة.. لا بد أن أذكر أن مبادرة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان بدعوة مجموعة من أصدقاء الربعي في الإمارات للقيام بتقديم واجب العزاء لأسرة الفقيد الكبير، تدل على مدى سعة البعد الإنساني من جهة، وعلى أن الإمارات وقيادتها الشابة حريصة بل وقمينة على المشروع الوطني التطويري الذي كان الربعي واحداً ممن ساهم فيه.
رئيس وحدة الدراسات والبحوث ـ البيان
