نشهد هذه الأيام تفاقم ظاهرة أكبر من السياسة لأنها ظاهرة حضارية توسعت حلقاتها بشكل متصاعد في الغرب بشقيه الأميركي والأوروبي وهي ظاهرة يمكن أن نطلق عليها عودة الفكر الصليبي بكل آلياته التاريخية الجائرة لكن بتحالف جديد مع الصهيونية المتعصبة من جهة ومع لفيف عربي جهول ومخادع من أشباه المثقفين الذين يناصرون هذه المظلمة الحضارية تحت ستار التنوير والتحديث.
ويكفي أن تفتح صحيفة باريس الأولى (فيجارو) صباح الثلاثاء 4 مارس حين تقرأ العنوان الكبير يقول: مأساة أهالي عسقلان الاسرائيليين الأبرياء تحت تهديد صواريخ حماس! ولا كلمة عن المحرقة التي نفذها جيش الاحتلال في غزة بمائة وعشرين ضحية فلسطينية!
كما يكفي أن نتصفح الجمعة 8 مارس مجلة (لكسبرس) ونقرأ الحديث الذي أدلى به رئيس حكومة أسبانيا السابق (أزنار) الذي طرده شعبه من السلطة بسبب مشاركة بلاده في تخريب العراق وهو يقول جهارا بأن أوروبا قارة مسيحية ورسالتها اليوم المواجهة مع الإسلام الذي يصفه هذا السياسي الفاشل بالجهادي!
يكفي هذه النماذج لتعرف مدى حجم الحيف و تزييف الحقائق! و أصبحنا نخشى لا على المسلمين فقط من اضطهاد صليبي صهيوني يتواصل بعمليات إبادة الأطفال الفلسطينيين في غزة و قصف المواطنين الأبرياء في العراق واستمرار الإرهاب الدخيل في أفغانستان ولبنان بل على الإسلام كمنظومة قيم خالدة ساهمت ولا تزال في صنع الحضارة الإنسانية.
ولعل المتابعين للشأن الدولي أدركوا كيف تعامل الغرب ووسائل إعلامه مع شراسة حملة هتلر و النازية الألمانية لانجاز المحرقة ضد شعب فلسطين الأعزل. ولعلكم أيها القراء العرب الأعزاء تابعتم أيضا أخبار عودة الأمير(هاري) ابن ولي العهد البريطاني من حرب أفغانستان الى قصر برمنغهام بعد المساهمة في العمليات العسكرية للقوات البريطانية ضمن فيالق حلف شمال الأطلسي.
فقد قدم الإعلام الغربي هذه العودة في شكل عودة الملك البريطاني الصليبي (ريتشارد قلب الأسد) من الحروب الصليبية وذهبت صحيفة (ذي سان) الى حد تلقيب (هاري) بملك هلمند، المقاطعة الأفغانية التي مارس فيها الأمير الشاب مهاراته الحربية في بلاد مسلمة، وذلك جريا على سنة التقاليد الصليبية منذ ألف عام حين كانت الكنيسة تتوج ملوك أوروبا الغزاة أمراء على البلدان المسلمة التي احتلوها.
وأمطرتنا الصحف السخيفة بحكايات بطولة الأمير الضابط ومغامراته في أفغانستان التي قدمتها هذه الأقلام البلهاء على أنها وكر للحشاشين والإرهابيين والمجرمين، ناشرة صور الأمير الجندي وهو يطلق نار المدفع الرشاش على أهداف مجهولة! أساطير جديدة قديمة كنا قرأناها في أدبيات الحروب الصليبية هي التي تصنع المخيال الشعبي في الغرب بالأمس واليوم وتجييشه لا ضد التطرف لأننا جميعا ضد التطرف بل ضد المسلمين والإسلام بنوع من الصفاقة التي لم تعد تستحي فتداري بل أصبحت تعلن عن نفسها بوقاحة.
ونشهد الله أننا لسنا نحن- المسلمين- الذين ندين هذه الظاهرة بل يدينها معنا و قبلنا شرفاء المفكرين الغربيين أنفسهم وحتى اليهود منهم ، حين شعروا بما شعرنا به من تحالفات مشبوهة بين متطرفين مسيحيين ومتعصبين يهود للنيل من رسالة الإسلام وكرامة المسلمين، وبالتالي تهديد السلام العالمي بسلوكيات إجرامية خارجة عن القانون الدولي.
فالمثقف اليهودي الفرنسي (جون دانيال) صاحب و مدير المجلة الأسبوعية الباريسية (لونوفل أبسرفاتور) كتب في أخر كتاب صدر له هذه الأيام بعنوان (اسرائيل و العرب وفلسطين)يقول: «ان الفلسطينيين اليوم بالنسبة لليهود يشبهون يهود الأمس بالنسبة للأوروبيين النازيين : شعب يجب القضاء عليه».
أما المثقف الفرنسيلكبير ريجيس دوبريه فقال في كتابه الأخير (مسافر في الأرض المقدسة) إن الشعب الفلسطيني ضحية لعمليات تشويه مقصودة جعلت منه ارهابيا بينما هو يقاوم من أجل حقوقه المسلوبة
وأرضه المغتصبة.
ونقرأ أيضا للخبير الإعلامي برنار لانجلوا في العدد الأخير من مجلة (بوليتيس) قوله بأن الإعلام الغربي أصبح متحيزا ضد العرب والمسلمين بشكل غير مسبوق ويقدم على ذلك نماذج دامغة منها أن كل من يكتب عن الشرق الأوسط يجب أن يقول بأن العرب هم دوما المبادرون بالحرب وأن إسرائيل دوما هي المدافعة عن نفسها و أن سقوط ضحية مدنية إسرائيلية هو إرهاب.
بينما سقوط ضحايا عرب هو دفاع شرعي إسرائيلي عن النفس وأن ليس من حق العرب أسر جندي إسرائيلي واحد ولكن من حق إسرائيل سجن 10000 عربي مدني وأنك حين تنطق باسم حزب الله عليك إضافة عبارة المدعوم من إيران وسوريا و لكن عند النطق بكلمة إسرائيل لا تقل انها مدعومة من أمريكا وأوروبا ويختم الكاتب تحليله بالقول إنك اذا لم تكن موافقا على هذا الانحياز المفضوح فانك بلا شك معاد للسامية أو مساند للإرهاب!