أعلن ميخائيل مارجيلوف رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، أنه لا يوجد سياسي مخلص لبلده في روسيا يقبل أن تمتلك إيران أسلحة نووية. وأضاف أن المسألة لا تتعلق بإيران فقط وإنما بحرص روسيا على الحد من انتشار السلاح النووي، والقضاء على أسلحة الدمار الشامل.
ولابد من القول: إن هذا الموقف ليس جديداً، حيث تدعو موسكو منذ سنوات طويلة إلى جعل منطقة الخليج والشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. وتؤيد موسكو فكرة تشكيل «مناطق متعددة خالية من الأسلحة النووية». ويحتل موضوع منع انتشار أسلحة الدمار الشامل حيزاً أساسياً ليس فقط في سياسة روسيا الخارجية، وإنما أيضاً في السياسة الدولية لمعظم دول العالم.
ولهذا السبب أصبحت أزمة الملف النووي الإيراني قضية دولية، تهم المجتمع الدولي. كما توجد مسألة البرنامج النووي لإسرائيل، خاصة أن تل أبيب لم تؤكد على مدار السنوات الماضية وجود أسلحة نووية في ترسانتها العسكرية، ولم يصدر عنها نفياً لهذا. من المعروف أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم توقع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
وتكمن أهمية الالتزام بمنع انتشار الأسلحة النووية في منع حصول القوى الإرهابية على أسلحة الدمار الشامل، وفي لجم سباق التسلح النووي، والذي يؤدي بالضرورة لإنهاك اقتصاديات العالم، ويتسبب في تفاقم النزاعات الإقليمية، خاصة في مناطق البؤر الساخنة. وتشكل حالة السعي لاقتناء أسلحة نووية من جانب العديد من دول العالم مشكلة حقيقية بالنسبة للسياسة الروسية، لعدة أسباب:
أولاً: لأن تدعيم نظام عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل واحد من المهام ذات الأولوية بالنسبة للقيادة الروسية. وأن موسكو تعتقد ان مهمة المجتمع الدولي تتلخص في فرض الرقابة الدولية الصارمة على هذه العمليات كيلا يصبح السلاح النووي في أيدي هؤلاء الذين قد يستخدمونه من أجل زعزعة الاستقرار، ما قد يؤدي لتهديد امن روسيا التي تقع بين آسيا وافريقيا، بين مختلف أطراف المجتمع الدولي. لذا تعتبر موسكو أن مشكلة وجود السوق السوداء لأسلحة الدمار الشامل تستحق الاهتمام الخاص.
ثانياً: روسيا ترى آفاقاً رحبة لاقتصادها في اقتحام سوق الطاقة النووية العالمي. بعد أن أصبحت الطاقة الذرية أحد السلع التي يمكن أن تحقق عائدات للخزينة الحكومية الروسية، وأصبح دخول روسيا إلى سوق الطاقة الذرية العالمي من ابرز مهمات الحكومة الروسية، التي لجأت لعدة سبل سعت من خلالها لأن تصبح من كبار مجموعة مصدري الطاقة الذرية للدول المستهلكة.
ويعتقد الخبراء الروس أن العديد من بلدان العالم سوف تبدي اهتماماً بمشروع تصنيع محطات نووية صغيرة عائمة لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه. وستلعب المفاعلات النووية الصغيرة والمتوسطة الطاقة دوراً محورياً في تسخير التكنولوجيا النووية لخدمة طالبي الطاقة.
ومع ارتفاع أسعار النفط، واحتياج العالم لأشكال جديدة من الطاقة التي لا تضر بالبيئة، أصبح الاستخدام السلمي للطاقة النووية أمراً ملحاً، وله أهمية حيوية بالنسبة لأغلبية دول العالم. ما يعني اتساع سوق تقنيات استخدام الطاقة الذرية، وزيادة الطلب في هذا السوق عليها.
وقد أعلنت العديد من دول الشرق الأوسط ـ مصر والإمارات العربية والأردن ـ عن عزمها على بناء مفاعلات نووية ومحطات توليد طاقة كهروذرية. إلا أن هذه الخطط تواجه عقبة مؤثرة وهي الجهود الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية، والتطورات الجارية حول برنامج طهران النووي.
وتشكك إسرائيل التي تمتلك أسلحة نووية في نوايا دول المنطقة لاستخدام الطاقة الذرية حصراً في الأغراض السلمية. وتؤكد على ضرورة عقد معاهدة السلام مع جيرانها العرب وإيران، ثم بحث مسألة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية. وذلك قبل الموافقة على بناء محطات توليد طاقة كهروذرية في دول المنطقة.
وقد تسببت الأزمة المثارة حول برنامج إيران النووي في إعاقة المشروع الروسي، الذي يطمح لتوقيع عقود جديدة لبناء وحدات أو مفاعلات نووية لتوليد الطاقة بعد إنهاء محطة بوشهر. ولا يخفي خبراء وكالة الطاقة الذرية الروسية مساعيهم في الحصول على عقود كافة المفاعلات التي تنوى إيران بناءها والبالغ عددها حوالي 11 مفاعلاً ذرياً.
وأصبحت روسيا مضطرة أن تدافع عن زبونها الإيراني في مواجهة اتهامات بأن هذا المشروع سيوفر الإمكانية لطهران لتصنيع 30 قنبلة ذرية سنوياً، باعتبار أن المشروع سيكون قادراً على إنتاج البلوتونيوم، وبالرغم من أن الآليات والقدرات العلمية لعمليات تخصيب اليورانيوم التي تتطلبها صناعة الأسلحة النووية غير متوفرة لدى إيران.
ويبدو واضحاً أن روسيا لديها مصلحة مباشرة وحيوية في أن يصبح الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل، ليس فقط لأن استقرار السوق يوفر الظروف لتنامي الاستثمارات، وإنما أيضاً لأنه يحقق الشروط اللازمة والتي تمكن موسكو من تسويق تقنيات توليد الطاقة النووية.
ولعل الفارق بين حرص روسيا على تحقيق ذلك، وعدم اهتمام الولايات المتحدة، يكمن في أن منطقة الشرق الأوسط مجاورة للحدود الروسية، وانتشار الاضطرابات وأسلحة الدمار الشامل فيها يهدد أمن روسيا. خلافا لما سيكون عليه الحال بالنسبة للولايات المتحدة والتي تقع على بعد آلاف الأميال، ما يبعد عنها بشكل كامل التعرض لمخاطر امتلاك أي دولة من دول المنطقة لأسلحة نووية.
ورغم صعوبة الموقف لم تفقد موسكو وحلفاؤها في المنطقة الأمل في جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. إلا أن المهمة معقدة للغاية لأن «الأطراف الرئيسية الفاعلة» على هذا الصعيد لا تحرص على تنفيذ أي برامج في هذا الإطار، لتوفير الظروف الموضوعية لبحث مسألة التخلي عن أسلحة الدمار الشامل في المنطقة.
ويعتبر عدم توفر معلومات دقيقة حول وجود تلك الأسلحة لدى هذه الدولة أو تلك، من اكبر المشاكل التي تواجه محاولات البدء في تنفيذ هذا المشروع. ناهيك عن أن انتشار شائعات حول امتلاك هذا الطرف أو ذاك لأسلحة الدمار الشامل يؤثر سلبياً على الوضع المعقد في المنطقة، وغالباً ما يؤدي إلى وقوع صدامات مسلحة.
مركز دراسات الطاقة
روسيا