كل مرشح في أي انتخابات رئاسية جرت في الولايات المتحدة على مدى الستين عاماً الأخيرة يحفظ عن ظهر قلب الخطوط الحمر التي ينبغي عليه ألا يتجاوزها بحال من الأحوال. لهذا تتطابق الشعارات والبرامج بين المرشحين حتى وان بدا ظاهرياً أن مرشحاً ما يدعو إلى «التغيير»، والمرشحون الحاليون «الجمهوري» جون ماكين «والديمقراطيان» هيلاري كلينتون وباراك اوباما ـ ليسوا استثناءً عن هذه القاعدة.

ماكين أراح واستراح. فهو يعلن ويكرر الإعلان متوخياً أعلى درجات الصراحة السياسية بأنه إذا أتيح له دخول البيت الأبيض في مطلع عام 2009 فان سياساته لن تكون سوى طبعة منقحة من سياسات الرئيس الحالي جورج بوش.

أما حملة كل من السيدة كلينتون وأوباما فلا تخلو من مخادعة. فبالرغم من أن كلاً منهما يطرح نفسه دعائياً كمعارض الإدارة الحالية فان الاستراتيجية الانتخابية المشتركة بينهما هي أنه ليس لدى أي منهما بديل عن سياسات جورج بوش، وهما بالطبع لا يقولان ذلك صراحة. ولكن عندما تدقق في الخطاب المتكرر لكل منهما في سياق التجمعات الجماهيرية تجد أن كلا منهما يطرح في الحقيقة رؤى إدارة بوش لكن بصياغة لفظية مختلفة.

تقول صحيفة «واشنطن بوست» إنه بالرغم من التصريحات النارية المثيرة للمشاعر التي يطلقها أوباما على جماهير الناخبين فإنه يحرص على ألا يتعارض مضمون هذه التصريحات ذات الطابع الخطابي مع «توجهات السياسة الخارجية السائدة تقليدياً في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وأقرب وأوضح مثال هو بالطبع التحيز الأميركي الثابت لإسرائيل.

ففي هذا الصدد ليس لدى أوباما ما يضيف سوى «التبشير» بأنه سيكون رئيساً «أشد حماسة والتزاماً» من بوش وكأنه يزايد الرئيس الحالي في مدى الولاء للدولة اليهودية والتضامن معها ضد العرب، والسيدة كلينتون بدورها تزايد على الاثنين معاً، وانطلاقاً من دوافع المزايدة عقد أوباما مؤتمراً صحافياً حرص على أن يقتصر حضوره على إعلاميين من إسرائيل واليهود الأميركيين، وأن يقتصر الخطاب فيه على تأكيده الولاء لإسرائيل.

أوباما وكلينتون يتشاركان أيضاً في الموقف تجاه العراق، فكلاهما يناديان بانسحاب القوات الأميركية من الأراضي العراقية. على نحو سريع. وهكذا قد يبدو أن كليهما يعارضان موقف إدارة بوش التي تخطط لإبقاء الوجود العسكري الأميركي في العراق إلى أجل غير مسمى.

ولكن انظر في شيطان التفاصيل لترى شيئاً آخر، فالمرشح أوباما يستدرك قائلاً إنه سوف يبقى «بعض» القوات الأميركية من أجل محاربة «القاعدة» وان حجم هذا «البعض» من القوات سوف يعتمد على توصيات القادة العسكريين «والظروف على أرض الواقع». ومعنى ذلك هو أن «الرئيس» أوباما ابتكر لنفسه منذ الآن ذريعة لإبقاء الوجود العسكري الأميركي في العراق إلى الأبد على غرار ما يخطط له بوش الآن.

وموقف السيدة كلينتون ليس مختلفاً وعلى هذا المنوال تتطابق المواقف أيضاً حيال القضايا الكبرى الأخرى. في العلاقة مع إيران يعلن أوباما أنه سوف يعيد العلاقات الأميركية الدبلوماسية معها لكن بشرط أن تلغي إيران برنامجها النووي، وفي «الحرب على الإرهاب» فإنه سوف يعمل على تمتين التعاون الأمني مع الدول الإسلامية «المعتدلة» ـ دعم الدكتاتور مشرف مثلاً. وهكذا تبدو الانتخابات الرئاسية الأميركية كفيلم إثارة يعرف المشاهد عقدته الدرامية ونهايته سلفاً.