بين القمة الإسلامية، في داكار؛ والقمة العربية، في دمشق؛ مسافة صغيرة وتحديات كبيرة. الأولى التي تنتهي اليوم، أمامها ملفات من الوزن الثقيل. أبرزها البت بميثاق جديد لها، يتناول أموراً أساسية؛ مثل شروط العضوية وتطوير آلية اتخاذ القرارات. الثانية، المقرر انعقادها بين 29 و 30 الجاري؛ أمامها رزمة من المشكلات والقضايا، التي ترقى إلى مصاف المعضلات؛ والتي لم يسبق لها أن واجهتها، لا كماً ولا نوعاً.
وقد حكمت الظروف؛ وليس فقط التقارب الزمني، بأن تكون هموم القمتين، مترابطة. بل متداخلة، بحيث تنعكس وتتأثر كل منهما بالأخرى. النجاح في الأولى، قد يؤشر إلى احتمالات راجحة، لنجاح الثانية. والأجواء المزمع أن تسود هذه الأخيرة،لا بدّ وأن تنعكس بصورة ايجابية على الأولى. هذا ما عكسته المداولات التي جرت بشأن البيان الختامي، لقمة داكار. وليس ذلك إلاّ نتيجة لكون التحديات المطروحة، تخص، إلى حدّ بعيد، كلا العالمين العربي والإسلامي.
الفارق، أن القمة الإسلامية طريقها سالكة أكثر بكثير؛ من الثانية. خلافاتها أقل تعقيداً وإثارة للجدل. التوافق بخصوصها، مرجح. بل بات من المتوقع أن يتضمنه البيان الختامي، المرتقب صدوره اليوم. وذلك بحدّ ذاته معطى إيجابي؛ قد يساهم في ترطيب الأجواء، عشية قمة دمشق. وفي أقل الأقل أنه يقطع الطريق على ترحيل شحنة إضافية من التوتر، إلى هذه القمة.
فهذه الأخيرة لا تزال ظروفها محاطة بكثير من الضباب. وبالتحديد لجهة دعوة لبنان ومشاركته فيها؛ كما لجهة الاحتقانات العربية ـ العربية؛ والمساعي الجارية لإزالتها. وهي مهمة لا تحتمل أقل من النجاح. فما هو على المحك، يتجاوز وبما لا يقاس، خلافات اللحظة الراهنة؛ بالرغم من كل صعوباتها وخلفياتها؛ وما أدّت إليه من شروخ. الوضع الفلسطيني المعروف، بحاجة إلى وقفة؛ كما إلى ترميم داخلي. الهجمة العدوانية الإسرائيلية التي واجهها في الآونة الأخيرة؛،لم تنته فصولها بعد ـ حسب تهديدات باراك ـ الكلام عن «هدنة»، ملغوم. في أحسن أحواله ملتبس.
وليس خافياً أن إسرائيل، كالعادة، تلعب على حبل الخلافات. كما أنها لا تترك فرصة من دون اغتنامها، للتخريب على العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية؛ ناهيك بتخريباتها المتواصلة على أية تهدئة. وعمليات الاغتيال التي قامت أمس في الضفة، آخر دليل. والحبل على الجرار. كذلك هو الأمر، بالنسبة للبنان. وربما أكثر. مرور القمة العربية، من دون تعطيل فتيل الأزمة اللبنانية؛ مغامرة تنطوي على مخاطر جمّة.
ليس أقلها ترك أبواب ونوافذ هذا البلد، مشرعة أمام كافة الأعاصير، المرشحة لتعصف به؛ كما أمام تلك العاصفة بالمنطقة. لاسيما وأن عبور قطار القمة، بما هي فرصة فريدة، من غير أن يكون لبنان وأزمته على متنه؛ قد يفسر على أنه تسليم بحالة، مفقود الأمل منها.
كما أنه يؤشر إلى تعذر رأب الصدع العربي؛ ليس فقط بخصوص لبنان، بل أيضاً بخصوص الوضع الفلسطيني وكذلك الوضع العراقي، الذي لا يزال، هو الآخر خارج العيادة العربية، يتلوى تحت نار جروحه الكثيرة والمتشابكة. فرصة داكار ـ دمشق، لن تتكرر في المستقبل القريب. التحديات هائلة، ضاغطة وفسحة الوقت أمامها ضيقة. والكرة في الملعبين الإسلامي والعربي.
