لاشك أن تقرير البنك الدولي الخاص بممارسة الأعمال 2008 والذي تضمن معلومات عن الاقتصاد الإماراتي فيما يتعلق بتقييم معطيات بيئة الأعمال في الدولة، ومستوى التسهيلات التي تمنحها الدولة للمستثمرين لتأسيس وإدارة أعمالهم في الإمارات، يخالف الواقع في الجانب الأغلب منه، ويفتقر إلى الدقة في جانب آخر، ويصل إلى أحكام غير منصفة، لكن بعض التقارير والأحكام في بعض المجالات تتطلب إعادة النظر في بعض الإجراءات السارية في بعض قطاعات الدولة الاتحادية.

وقد رد معالي محمد عبد الله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء بمنطقية على هذا التقرير، خلال افتتاح ورشة العمل الاستشارية حول «ممارسة أنشطة الأعمال في الإمارات 2008» والتي عقدت قبل فترة تحت رعاية مكتب رئاسة مجلس الوزراء، حيث أورد مجموعة من الأرقام والإحصاءات التي أوضح من خلالها مستوى التقدم الاقتصادي الذي حققته الدولة الاتحادية، خاصة في مجال توفير البيئة المشجعة لإطلاق وإدارة الأعمال.

وقال إن مؤشر الثقة للاستثمارات الأجنبية المباشرة الصادر عن مؤسسة «آيه تي كيد في» العالمية وضع دولة الإمارات في المرتبة الثامنة عالمياً في ناحية قوة جذب الاستثمارات العالمية من وجهة نظر مجتمع المستثمرين.

لكنه أكد من جانب آخر أنه على الرغم من الانجازات المتحققة، لا يزال ترتيب الدولة يأتي في المرتبة (37) ضمن تقرير التنافسية العالمية الصادر من منتدى الاقتصاد العالمي، بينما تحتل الدولة المرتبة (68) في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال الصادر من البنك الدولي وعلى الرغم من وجود بعض التحفظات على المنهجية المستخدمة في إعداد تقرير ممارسة أنشطة الأعمال، إلا أن هذا لا ينفي الحاجة لبذل مزيد من الجهد واتخاذ تدابير إضافية من شأنها التغلب على التحديات التي قد تواجه مسيرة الدولة نحو تحقيق الأهداف الاقتصادية المنشودة.

لاشك أن دولتنا الاتحادية دخلت بقوة إلى الاقتصاد العالمي القائم على حرية السوق والمجتمع الرأسمالي، حيث أنشأت أسواق الأوراق المالية، مثل سوق أبوظبي وسوق دبي المالي والعالمي..

وأصدر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد في مارس 2004 قانوناً اتحادياً ينظم إنشاء المناطق الحرة المالية في الدولة، كما اتخذت الدولة سلسلة من الإجراءات لضمان عدم تسرب الأموال غير المشروعة إلى البلاد، إلى غير ذلك من الإجراءات الإصلاحية، حتى صارت دبي بوابة للعالمية، ومن المؤشرات على ذلك ما نقرأه بين حين وآخر من أن بعض بنوك الدول الأخرى تتطلع إلى قيد أسهمها في سوق دبي المالي في إطار سعيها للانتقال إلى الإقليمية والعالمية في تعاملاتها باجتذاب مستثمرين عرب وأجانب.

ولا ننسى إشادة «اردوغان» رئيس وزراء تركيا بنهضة دولة الإمارات في شتى الميادين معتبراً أن ما أنجزته دبي من مكتسبات على الصعيد الاقتصادي والعمراني والتكنولوجي إنما يشكل مصدر الهام «لنا في تركيا» ـ على حد تعبيره ـ لنستفيد من هذه الخبرة العالمية المميزة التي اشتهرت بها دبي في الأوساط الدولية وأصبحت مثالاً يحتذي ونموذجاً يشار له بالبنان.

ولاشك أن الإمارات قد تمكنت من قطع شوط كبير في الاستفادة من الخصوصيات الاقتصادية للدولة، وتطبيق النظام الرأسمالي في آخر أشكاله التي أثبتت نجاحها في كثير من الدول، فضلاً عن الاعتراف بالأخطاء ومحاولة القضاء عليها، فليس هناك وضع أمثل، بل دائماً هناك محاولات من أجل التحسين والتطوير وتصليح الأخطاء والقضاء على العقبات المتجددة.

في هذا الإطار تمكنت الدولة الاتحادية من مواجهة كثير من إشكاليات الإصلاح الاقتصادي ومعضلاته، حتى أن كثيراً من الأقلام صارت تتحدث مثلاً عن نموذج «دبي» ونموذج «أبوظبي»، «ونموذج «الشارقة»، وغداً إن شاء الله نموذج رأس الخيمة والفجيرة وأم القيوين وعجمان، وهذا بفضل السياسات الجريئة التي صارت عليها الحكومة الاتحادية، تلك السياسات التي ترتكز على الانفتاح وتتبع استراتيجية للنمو الحر، والتبادل التجاري، والسوق الحرة، ومراعاة اقتصاد السوق، ولعلنا نتساءل عن أسباب ذلك..

أنها ببساطة كما يقول تقرير سابق لصندوق النقد الدولي الصادر في يوليو 2004، السياسات التي تعتمد على تقليل الحد من الاعتماد على عائدات النفط، وتفعيل دور القطاع الخاص، والقضاء على كثير من العقبات البيروقراطية، وتوسيع دائرة الإنتاج مع تنويعه، والدخول الفعال في عجلة اقتصاديات السوق، والنجاح في جذب الاستثمارات الأجنبية والعمالة الماهرة وإعادة تأهيل المواطن الإماراتي إلى حد معقول للدخول في عملية الإنتاج بعد أن كان مستهلكاً فقط.

وقد أشار هذا التقرير إلى أن نمو الناتج المحلي للقطاعات غير النفطية يعد من أعلى معدلات النمو بين دول مجلس التعاون الخليجي، فقد شهدت المناطق الحرة تطوراً ملحوظاً أسهم بشكل كبير في دعم نمو الصادرات غير النفطية، وقد وصف تقرير سابق للبنك الدولي سوق أبوظبي المالي بأنه يعد أكبر سوق أسهم على مستوى العالم العربي، كما أن سوق دبي المالي شهد نمواً متصاعداً.

لكل هذا نجد أن تقرير البنك الدولي الأخير الخاص بممارسة أنشطة الأعمال 2008، غير دقيق في كثير من جوانبه، خاصة أن الوزارات والهيئات والمؤسسات والفعاليات الاقتصادية في الدولة أكدت أن الاقتصاد الوطني يعيش عصره الذهبي، ومعدلات نمو كبيرة جعلت من الإمارات مركزاً مالياً واقتصادياً على المستويين الإقليمي والدولي.

كما أكدت أن الإمارات انتهجت في مسارها الاقتصادي سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تعتمد على نظام السوق وقواعد الاقتصاد الحر التي تعطي دوراً كبيراً للقطاع الخاص في المساهمة ببناء الاقتصاد الوطني بحرية تامة متمتعاً بحرية انتقال رأس المال والسلع والخدمات وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية.

إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حدد الملامح المستقبلية للإمارات في استراتيجية الحكومة الاتحادية، وتقوم هذه الاستراتيجية على وعي شديد بالتغيرات العالمية ومعرفة دقيقة بالواقع في الدولة الاتحادية، ومعرفة تضع يدها على مواطن الداء، ومعرفة قائمة على المتابعة الدقيقة لأسلوب عمل الوزراء، والشجاعة الأدبية في مواجهة أي تقصير.

وتعمل هذه الاستراتيجية على تحقيق أهداف برنامج صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة والمتمثلة في تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة وضمان جودة حياة عالية للمواطنين، وصار العمل السياسي والاقتصادي قائماً على خطط لكافة الوزارات بشكل متناسق، وتوحيد الجهود وحشد الطاقات وتعزيز التعاون بين السلطات الاتحادية والمحلية.

وتحديث الأطر المؤسسية، وبناء أنظمة فعالة لمتابعة أداء وتنفيذ الخطط، موضع خطة طوارئ وطنية شاملة تحدد بشكل واضح الأدوار والمسؤوليات لضمان الاستجابة الفعالة والمتناسقة لكافة المخاطر المتوقعة وتعزيز استعداد القطاعات المساندة لقطاع الطوارئ، وتفعيل التنسيق وآليات العمل بين السلطات الاتحادية والسلطات المحلية، فالتنسيق بالغ الحيوية والأهمية لتحقيق الأداء الهارموني بين أعضاء الجسد الواحد، أقصد مدن الإمارات المختلفة.

وتعمل القيادة في الحكومة الاتحادية على تحقيق المرونة في العمل وعلى القضاء على البيروقراطية والمركزية والارتقاء بالأداء الحكومي. ولذا منح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الوزارة الجديدة المزيد من الاستقلالية في إدارة أعمالها، ادراكاً من سموه لسرعة التغيرات وحركة الزمن، أوضح ضرورة مراجعة وتحديث التشريعات والقوانين وتطوير قوانين الخدمة المدنية، من أجل تفعيل الدور التنظيمي ووضع السياسات الملائمة في الوزارات، ولاشك ان هذا لن يتحقق دون تحسين آليات صنع القرار ورفع كفاءة وفاعلية الأجهزة الحكومية.

وإذا كان التقرير الأخير للبنك الدولي اتصف بعدم الدقة في كثير من جوانبه، فإنه أشار إلى بعض السلبيات بدرجة ما من الدقة ولكن من المعروف أن القيادة الإماراتية أقرت قبل صدور هذا التقرير بوجود بعض السلبيات، ولعل هذا أحد الأسباب التي دفعتها إلى تشكيل الوزارة الجديدة، كما ان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وجه أكثر من مرة انتقادات مباشرة لبعض الوزارات، من أجل تنبيهها إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتصحيح الأوضاع ومراجعة الذات وتلافي جوانب القصور.

ولاشك ان موقف سموه، يعد موقفاً شجاعاً، وليس هذا بغريب عليه في ضوء المعروف عنه من صرامة إدارية وحنكة سياسية لا تضع في حسبانها سوى المصلحة العليا للدولة الاتحادية ورعاياها، ومن أكبر الأدلة على ذلك الاعتراف قبل صدور التقرير بما حدث من تقدم، وأيضاً الاعتراف بما ينقصنا، فضلاً عن الاعتراف بالأخطاء ومحاولة القضاء عليها، وكما قلنا سابقاً ليس هناك وضع أمثل، بل دائما هناك محاولات من أجل التحسين والتطوير وتصليح الأخطاء والقضاء على العقبات المتجددة بهدف تحقيق معدلات أكبر من النمو والتقدم.

جامعة الإمارات

Razak-doc@hotmail.com