بعد كل الذي جرى وتداعياته الكارثية، التي ما زالت تتوالى وحتى إشعار آخر؛ يصرّ الرئيس بوش على تصنيف حربه على العراق، في خانة القرار الصائب. لم يكن ما حفلت به السنوات الخمس الماضية، من فواجع الحرب ومآثرها، كافياً لحمله على اجتناب عبارة « صواب»؛ في تقييمه لذلك القرار؛ أثناء خطابه الذي ألقاه أمس الأول، أمام اتحاد الإذاعات الدينية، في واشنطن.

وفي نفس اللحظة، تقريباً، كان أحد كبار القادة العسكريين الأميركيين، يعلن استقالته ـ أو طلب منه تقديمها؟ بسبب تصادمه مع توجهات الرئيس بوش؛ في الشرق الأوسط. وبالتحديد حول الطابع الحربي لهذه التوجهات؛ في العراق وإيران.

يشي هذا التشبث، الذي تزامن مع استقالة الجنرال وليام فالون، قائد القوات الأميركية في المنطقة الوسطى من العالم ـ ومنها الشرق الأوسط ـ؛ بأن الجدل الدائر داخل الإدارة، حول سياسة العصا؛ قد بلغ أقصاه ولم يعد بالإمكان حجبه؛ ولا تجسير خلافاته. الأهم، أن الرئيس بوش ليس فقط صاحب الكفة الراجحة، في هذا الجدل؛ بل إنه عازم على ـ أو في أقل تقدير أنه لا يستبعد ـ مواصلة العمل بهذه السياسة، في غير الساحة العراقية. وبالذات في التعامل مع إيران.

وربما كان ذلك بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؛ وأدّت إلى استقالة فالون، قبل مرور سنة على تعيينه في منصبه. على الأقل هذا ما توحي به وقائع الاستقالة. فالجنرال الذي لجأ، خلافاً للتقاليد العسكرية، إلى الصحافة للكشف عن خلافه مع الرئيس بوش؛ بدا من كلامه وكأنه أراد المغادرة، قبل أن يحصل ما لا يوافق عليه ولا يرتضي بأن يكون من المنتسبين إلى دائرته.

مجلة «أسكوير» الأميركية التي نشرت له، في عددها الأخير، مواقفه الخلافية، مع البيت الأبيض؛ وصفته بأنه «الرجل الوحيد الذي يمكنه صرف نظر الرئيس بوش عن الذهاب إلى الحرب، مع إيران». والمعروف أن الرئيس يردّد دوماً بأنه، في القضايا العسكرية، يستمع أولاً إلى ما يقوله ويراه القادة العسكريون المتواجدون على الأرض.

لكن على ما يبدو لم يستمع، هذه المرة، إلى الرجل الميداني الأول، في المنطقة. ليس ذلك فحسب، بل إن هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك ليقول إن مغادرة فالون لمنصبه « لو حصلت فإنها ستكون بمثابة إشارة إلى أن الرئيس بوش ينوي الدخول في حرب مع إيران»؛ على حدّ ما نسب إلى البروفسور السابق في أكاديمية العلوم البحرية الأميركية، توماس بارنيت؛ وهو كاتب المقالة التي حوت آراء فالون في «أسكوير».

الرئيس بوش، اغتنم عشية الذكرى الخامسة لحرب العراق المدمرة، لتعويم قراره بشنّها. الحصيلة على الأرض، تحكم على محاولته بالفشل. إن لم يكن بالإعدام. في أحسن الأحوال تضعها في خانة المكابرة، التي لا تقوى على تغيير الحقيقة ولو بمقدار ذرة. وها هو جنراله ـ باستقالته ـ ينسف هذه المكابرة؛ وربما حاول قطع الطريق على مكابرة أخرى أدهى وأخطر.