جاء اعتماد مجلس الوزراء اللغةَ العربيةَ لغة رسمية للمراسلات في جميع المؤسسات والهيئات الاتحادية في كافة إمارات الدولة كالبشرى لكل المخلصين الذين عبّروا عن تمسكهم بلغتهم العربية، وإيمانهم بالدور العظيم الذي تؤديه اللغة في تماسك المجتمع وترسيخ هويته وتعزيز انتمائه للوطن والأمة.
ولا شك أنّ هذا القرار يؤكد الرؤية الحكيمة التي يتبناها قادتنا، حفظهم الله ورعاهم، والتي تتجاوز فيما تراه الوقت الراهن إلى المستقبل البعيد، فتخطط لما سيأتي واضعة نصب عينيها الاستقرار والأمن والتماسك والقوة شرطاً أساسياً يبنى عليه تقدم البلاد، وتؤسس عليه كل خطط التطوير والتنمية على اختلاف مجالاتها.
وقد رأى كثيرون منّا ما آل إليه حال اللغة العربية في مجتمعنا، وما لحق بها من تهميش وإقصاء وتجاهل في المحافل والمواقع التي يفترض بها أن ترفع راية اللسان العربي ليكون الواجهة الأولى التي تمثّل هوية المجتمع وتعبر عن خصوصيته وتميّزه في فضاء يتسع لكل الناس على اختلاف ألوانهم وألسنتهم..
ولا يغيب عن كثيرين منا التغيرات المتسارعة التي يمرّ بها مجتمع الإمارات في رحلته نحو إثبات الذات والقبض على أدوات التقدم والسبق في مجالات الحياة المتقلبة باستمرار بلا توقف ولا هوادة، ولا يغيب عنا كذلك التداعيات الكثيرة التي جلبتها التطورات المتسارعة في مجتمعنا الصغير، ودوران عجلة التقدم بما تتطلبه من انفتاح على الآخرين واستعانة بالخبرات وتسهيلات كثيرة لتيسير حركة الاقتصاد المتنامي في بلادنا.
ولعل أكثر ما تأثر في هذه الحركة الموارة التي يعيشها مجتمع الإمارات هو عنصر اللغة الذي ما انفك يغيب شيئاً فشيئاً عن المواقع المهمة والحساسة في الدولة، حتى غدا شعور الغربة يسيطر على الكثيرين منا، وارتفع الإشفاق على لغة القرآن، واللسان العربي المبين أن يتوارى خلف خليط من اللهجات واللغات.
وظهر في الآونة الأخيرة ما يشبه الإحلال، إحلال اللغة الإنجليزية محل العربية في مواقع لا يفترض بها إلا أن تلهج باللسان العربي لأنها مواقع السيادة والتأثير الواسع القوي في بنية المجتمع وأبنائه من الأجيال الصاعدة ممن ينعقد عليها الأمل في حمل دفة المسؤولية وإكمال طريق النجاح الذي بدأه الآباء والأجداد المخلصون.
ويأتي هذا القرار منسجماً مع توجيهات صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، بأن يكون هذا العام عام الهوية الوطنية، فاللغة مكوّن أساسي من مكوّنات الهوية الوطنية، والحفاظ عليها والاعتزاز بها واحترامها وتقديرها يعزز إحساسنا بهويتنا وتمسكنا بها، ويصب في ترسيخ هذه الهويّة في بنية المجتمع وفي نفوس أبنائه، لأن اللغة هي التعبير الحقيقي عن خصوصيتنا الثقافية، وهي الرباط المتين الذي يربطنا بأمتنا وتاريخنا وتراثنا.
ولا شك أنّ اللغة العربية تواجه تحديات كثيرة في ظل عصر العولمة وما نتج عنه من تداعيات أثّرت تأثيراً كبيراً في حياة الناس في مشارق الأرض ومغاربها، ومثلت اختراقاً ثقافياً لخصوصية المجتمعات وتراثها ومكتسباتها الحضارية الخاصة.
وإذا كانت لغات كثيرة قد واجهت مثل هذه التحديات فإن اللغة العربية تواجه ـ بالإضافة إلى ذلك ـ تحديات داخلية في أرضها وبين أبنائها، وقد لمسنا هذا الأمر في مواقف كثيرة، ومجالات مختلفة، لعلّ من أهمها على الإطلاق مجالات التربية والتعليم، التي أصبحت تؤثِر اللغة الإنجليزية على العربية، فتمنحها السيادة وتوليها اهتماماً عزّ أن تجد له نظيراً في أي مكان آخر من العالم اللهم إلا إذا كانت لغته الأم، كل ذلك بدعوى الاستجابة لمتطلبات سوق العمل،.
في حينّ أنّ سياسات التربية والتعليم في أي مكان تبنى، أولاً وقبل كل شيء، استجابة لمتطلبات التنمية الوطنية التي لا تنفك أبداً عن التمكين للهوية الوطنية، والتمسك باللغة الأم، وقد نتج عن مثل هذه التوجهات أن أخذ أبناء العربية يعزفون عنها وينأون، ولا يرون في التمسك بها وإجادة استخدامها ضرورة، فهانت عليهم، وصارت مما لا يجدون له مكاناً في حياتهم العملية، ولا حاجة في دراستهم وما يمارسونه من أعمال يومية يمارسها الطلبة في كل مكان.
إنّنا نأمل أن يعيد هذا القرار الحكيم للعربية مكانتها في نفوس أبنائها أولاً، وأن يجعل الآخرين يولونها من الاحترام ما تستحق وما هي أهل له، إنه قرار يذكرنا بأنّ اللغة ليست مجرد أداة نقضي بها حوائجنا، ولا وسيلة نحقق بها مآربنا، بل هي جزء منّا ومن تكويننا الثقافي الراسخ في الأعماق الممتد في التاريخ.. تاريخنا نحن.. لا تاريخ الآخرين.
فاللغة، كما يقول فيخته، «هي التي ترافق المرء وتحركه حتى أعمق أغوار تفكيره وإرادته، وهي التي تجعل من الناطقين بها مجتمعاً متماسكاً يدبره عقل واحد. فالذين يتكلمون لغة واحدة يؤلفون من أنفسهم كتلة موحدة ربطت الطبيعة بين أجزائها بروابط متينة، وإن كنا لا نراها. إن الحدود التي تستحق أن تسمى حدوداً طبيعية بين الشعوب هي التي ترسمها اللغات».
هذا شأن اللغة كما يراها العارفون، فهي تمتد في كيان الإنسان وتشكل تصوراته وترسم له العالم بكلماتها وإيحاءاتها، وحين تتسرب إلى وجدانه وحياته حاضرة حيّة سيجد نفسه، بلا وعي مخلصاً لها، متعلقاً بعالمها الخاص الذي تنسجه كلماتها ومعانيها، ولذلك نرى الكثيرين من أبنائنا ممن كانت الإنجليزية لغتهم الأولى لا يطربون للعربية ولا يجدون في أنفسهم ذلك الحب الكبير لها الذي يعمر قلوب من تعلمها وألفها وصاغ دنياه بكلماتها وجرسها ومعانيها.
نأمل أنّ تتفاعل كل فئات المجتمع مع هذا القرار الحكيم، وأن نسعى جميعاً لتحقيقه على أرض الواقع، فلا يبقى حبراً على ورق، وأن يكون هذه القرار بداية عهد جديد تستعيد فيه العربية مكانتها وهيبتها في أرضنا وقلوبنا وعقولنا، وتسترد فيه حقها في بلادها، فاللغة كالخيوط التي ينسج بها الإنسان حياته، ولا شك أنّ ملمس الحرير لا يشبه الصوف أو القطن أو الكتّان فالخيوط ليست واحدة.. واللغات كذلك ليست واحدة، ولكل لغة مع أهلها شأن وحكايات.
جامعة الإمارات
