عندما تندر أفراحنا الكبرى، وتكبر مآسينا في أجزاء من أمتنا الكبرى، توحدنا الأحزان بأكبر مما توحدنا الفرحة، وعندما يختلف الساسة وصناع السياسة حول القضايا الأساسية، تتوحد المشاعر الإنسانية للشعوب العربية والإسلامية، وتعلو المشاعر والأفكار الإنسانية التلقائية الموحدة على الخلافات السياسية..

فالإنسان العربي في أي قطر عربي هو في الواقع ودون شعارات سياسية يشعر أنه أخ لشقيقه الإنسان العربي يؤلمه ما يؤلمه ويفرحه ما يفرحه، والإنسان المسلم أخو الإنسان المسلم لا يجب أن يظلمه أو يخذله أو يهجره..

وإذا كان من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، فمن لا يهتم بأمر العرب أيضاً فليس منهم وحين تتعثر قرارات السياسة في بلورة العقل الجمعي للأمة، وبما لا يعكس طموحات الشعوب بسبب اختلاف الرؤى والتقديرات، وتتقدم الالتزامات الرسمية على الخيارات الشعبية، تتقدم الثقافة للتعبير عن وجدان الناس وعن الضمير الجماعي للأمة، على لسان المفكرين والكتاب والأدباء، وبأحاسيس ورؤى الفنانين والشعراء تواصلا مع الناس على خشبة مسرح أو من خلال شاشة كبيرة أو صغيرة.

وعندما يعتري بعض أطراف النخبة السياسية أو المثقفة نوع من المرض أو الغرض بما لا يعبر أو يتصادم مع العقل والوجدان والإحساس الجمعي للشعوب، يبرز من بين المثقفين والفنانين من يعيشون قضايا أمتهم ويعايشون مشاعر شعبهم، من يتعالى على المرض والغرض السياسي أو الثقافي، ومن يحترم مسؤولية الثقافة والفنون ليعبِر عن الضمير العربي الإنساني بشجاعة الأحرار، عابرا كل الأسوار.

وعندما تجاوزت كوكب الشرق المصرية الفنانة «أم كلثوم» الحدود الخلافية السياسية وطافت العواصم العربية والعالمية، تغني لدعم المعركة المصرية العربية، ولتعبئة الجماهير العربية بعد هزيمة عدوان عام 67، التزاما بقضايا أمتا والتحاما بمشاعر شعبها، صارت رمزا عربيا حين جمعت المشاعر حولها وعبرت عن الضمير الإنساني العربي.

وعندما تجاوزت قيثارة السماء اللبنانية الفنانة «فيروز» التي غنت للقدس وواكبت القضايا العربية كل الأسلاك الشائكة السياسية اللبنانية السورية، والعربية العربية، وانتقلت مع الرحابنة من بيروت إلى دمشق بمسرحية «صح النوم» مشاركة في حفلات دمشق عاصمة الثقافة العربية تأكيدا لدور الفن العربي في توحيد الإحساس الشعبي العربي، وقائلة لبعض الساسة.. «صح النوم» إن الشعب العربي واحد، فلقد ارتفعت قامتها أكثر من أولئك الغارقين في توزيع الاتهامات بغير دليل، والمستغرقين في حفلات المهاترات بما يفرق بين الشعوب.

ومثلما وحد الطفل الفلسطيني الشهيد «محمد الدرة»، ومن بعده كل الكوكبة البريئة الطاهرة من أطفال فلسطين شهداء المحرقة الصهيونية اللا إنسانية على غزة المحاصرة كل المشاعر العربية، ليصد المشاعر ويحرك الضمائر الإنسانية والسياسية والثقافية، ويشكل صدمة للضمير العربي من المحيط إلى الخليج ومن المحيط إلى المحيط، انطلق الأدباء والفنانون المحترمون العرب كل في مجاله يعبر بالكلمة والصوت والصورة عن صرخة أمة استجابة لصرخة طفل عربي شهيد.

فقد شكل أوبريت «الضمير العربي» لمجموعة الفنانين العرب، صرخة فنية عربية استجابة لصرخة المشاعر العربية الرافضة للعدوان الصهيو أميركي على فلسطين والعراق والأمة العربية كلها، والرافضة للصمت العربي الشعبي والرسمي على المجازر الصهيونية، والحصار الغربي والعربي على الشعب الفلسطيني.

والرافضة للخلافات الرسمية العربية. . أوبريت «الضمير العربي» الذي أشرف على إنتاجه الفنان المصري «أحمد العريان» جاء بعد «الحلم العربي» كنموذج فني وإنساني عربي عالي القيمة، في زمن انتشار الفن الأخلاقي الرديء واللا إنساني الهابط ليضيء الشموع في ظلام غزة وفي غيم السماء العربية، رغم العدوان والظلم والحصار والإظلام، وليقول للضمير العربي وللضمير الإنساني. . «صح النوم» .

mamdoh77@hotmail.com