الخطة العسكرية الإسرائيلية التي وضعها المجلس الأمني الوزاري المصغر أريد من خلالها تحقيق غرضين اثنين، أولهما إرباك وشل وإضعاف الوضع الفلسطيني الداخلي بعد أن تعالت دعوات الحوار بين حركتي فتح وحماس.

وثانيهما يتمثل في محاولة أولمرت إعادة رص المجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة عام 1948 خلف حكومته بطبيعتها الفاشية، وتوسيع قاعدة قوى اليمين واليمين المتطرف الاجتماعية والسياسية بين جمهور اليهود في فلسطين المحتلة عام 1948، بعد أن اهتزت وتضعضعت بفعل تداعيات تقارير لجنة فينوغراد، حيث عادت الدولة الصهيونية فاقدة قدرتها على الردع، التي طالما تحدت فيها العالم العربي بأسره، فدفعت بوزير حربها وقائد الجناح الثاني في الائتلاف الحكومي الجنرال أيهود باراك لقيادة العمليات العسكرية ضد شعب شبه أعزل.

وهو الوزير غير المنتمي لجيل الجنرالات المؤسسين للكيان الصهيوني كالجنرال اسحق رابين والجنرال ترييل شارون وغيرهما، لكنه صاحب الخبرة في قتل الأبرياء منذ اغتيال ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية في منطقة فردان وسط بيروت الغربية عام 1973 واغتال الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) في تونس. وعليه فان معاني التصعيد الإسرائيلي تتخذ أيضاً أهدافاً مباشرة في إدارة عملية سياسية إضافية كنتاج للعملية العسكرية.

وذلك عبر إثارة المزيد من الانقسام والشرذمة في البيت الفلسطيني ، وإذكاء حالة التخبط التي أشعلتها بعض تصريحات المواقع القيادية في السلطة الفلسطينية التي كررت منذ زمن ليس بالقصير حديثها المعروف عن ( الصواريخ العبثية والغبية) وعن تحميل قوى المقاومة مسؤولية التصعيد الدموي الإسرائيلي، بدلاً من التقاط لحظة الحدث والبناء عليها لفتح جسور الحوار والتلاقي الفلسطيني الداخلي.

وفي هذا السياق فان التصريحات السيئة لوزير الإعلام رياض المالكي العضو السابق في الجبهة الشعبية والمقرب من موقع القرار في السلطة الفلسطينية، وهي التصريحات التي أرجعت العدوان الفاشي الإسرائيلي «للصواريخ الفلسطينية» صبت بشكل أو بأخر في سياق التغطية على العدوان الإسرائيلي، فكان بالأحرى على الوزير المالكي أن يدعو السلطة الفلسطينية بشخص رئيسها لاتخاذ موقف نوعي جديد يرتقي لمستوى الحدث والتحديات، بالوقف الفوري لكل أشكال المفاوضات والتنسيق الأمني مع الاحتلال.

والطلب من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي توفير الحماية للشعب الفلسطيني، وتحويل قادة جيش الاحتلال وأجهزة أمنه للعدالة الدولية. من هنا، إن صرخات البعض من رموز السلطة الفلسطينية، كالتصريحات المتكررة التي يطالعنا بها من حين لآخر مسؤول ملف المفاوضات في السلطة الفلسطينية وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح صائب عريقات، أصبحت تصريحات مملة وممجوجة، وفقدت حتى أهميتها كجرعات مغشوشة لتهدئة الشارع الفلسطيني.

كما ستبقى الصرخات إياها صيحات بلا صدى في واد سحيق طالما بقيت تفتقد لإجراءات الحد الأدنى الممكنة والمتوفرة بيد الطرف الفلسطيني الرسمي، كالإعلان عن الوقف الفوري للمفاوضات، وإنهاء التنسيق الأمني مع أجهزة امن وجيش الاحتلال، خصوصاً وأن التنسيق الأمني يتم على لحساب جانب واحد وعلى حساب الطرف الفلسطيني .

كما جرى مؤخراً في منطقة نابلس من استهداف لبعض كوادر كتائب شهداء الأقصى، حيث اغتيل البعض منهم، وأعتقل البعض الأخر وزج بسجون الاحتلال، وزج الأخرون كالشهيد مجد البرغوثي في سجن المخابرات العامة قبيل وفاته في حادث مليء بالالتباسات والمؤشرات الخطيرة التي تهدد باستمرار وتوسيع نطاق التنافر الفلسطيني الداخلي. ومن جانب أخر، يمكن القول ان الحالة العربية المهترئة.

والضعف والهزالة العربية أمام العربدة الإسرائيلية، وتواصل الحصار العربي قبل الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، عبر الالتزام الرسمي لبعض البلدان العربية بتحديد قنوات ضخ الدعم المالي للفلسطينيين، ووضعها تحت الرقابة والإشراف الأميركي، يشكل شكلاً من أشكال التساهل مع العدو الإسرائيلي وتشجيعاً غير مباشر لسلوكه الدموي ضد الشعب الفلسطيني، فضلاً عن ما يوفره الصمت الأميركي.

بل واستسهال واشنطن للمنطق التبريري للأفعال الإسرائيلية العدوانية من تشجيع إسرائيل على التمادي في عدوانها، وعلى مواصلة الاغتيالات والقتل الجماعي، وفي حقن أولمرت وأركانه العسكرية والأمنية، المزيد من جرعات الجنون الدموي، فالسلوك الدموي الذي يتسلح به ايهود أولمرت ومجانين التطرف في الدولة العبرية، ينبع ويتغذى من انفلات لغة الخطاب السياسي الأميركي.

والمنطلق من اعتبارين اثنين مترابطين. الأول منهما يتعلق بالاعتبارات الداخلية المتعلقة باستحقاقات الانتخابات الرئاسية القادمة، ومحاولة الرئيس بوش الابن تقديم نفسه باعتباره «صهيونيا أكثر من الصهاينة أنفسهم »، والاعتبار الثاني يقع تحت خانة المحاولات الأميركية لضبط وتنفيس ايقاع أزماتها في المنطقة.

أخيراً، إن العدوان الفاشي الإسرائيلي على قطاع غزة وعموم الأرض الفلسطينية يشكل أمام كافة القوى الفلسطينية خصوصاً حركتي حماس وفتح، حافزاً إضافيا، وفرصة ثمينة لإعادة الاعتبار للوحدة الوطنية الفلسطينية والتسامي فوق كل الخلافات الثانوية لصالح التناقض الرئيسي في مواجهة الاحتلال، والسير خطوات ملموسة من أجل ردم التباينات في الساحة الفلسطينية، وعودة الجميع إلى طاولة الحوار الوطني الحقيقي.

كاتب فلسطيني - دمشق