هنا قصة حقيقية عشت قريباً بعض فصولها. أحد المستثمرين العرب قادته نجاحاته السابقة إلى وهم كبير اعتقد بسببه أن النجاح الساحق سيبقى حليفه في كل خطوة يخطوها. ساعد في تأسيس وتعميق هذا الوهم فريق من «المستشارين» المداحين الذين لا شغل لهم سوى التطبيل والمديح الممجوج لكل ما يعمله رئيسهم ولكل رأي يطلقه بعلم أو جهل. مع الوقت، صدّق صاحبنا أنه فعلاً آية في الذكاء ورمزاً من رموز النجاح.

وحينما شرع في استثمار ضخم في تخصص ليس له فيه أي سابق خبرة ومن دون استشارة أهل التجربة والمعرفة وجد حوله فريقه الذي يحاصره كل الوقت ليهلل ويكبر لهذا المشروع الخلاق الذي قاده -فيما بعد - لخسارة كبيرة شملت حتى نجاحاته الماضية. لم يوفق صاحبنا بمستشار صادق وأمين. ولم يوفق بمساعد يجزي النصيحة الواعية والصادقة.

تكاثرت المشكلات وتفاقمت الديون فيما يواصل مستشاروه التأكيد بأن لكل جواد كبوة وأن الآتي هو «صفقة العمر»! أحاط الرجل نفسه بسياج منيع ضد الرأي الصادق وضد النصيحة الجادة. قرب فريق المداحين كثيراً منه وسلم قيادة مشروعه الكبير لفريق من الأقارب والأصدقاء والمعارف ممن لا يدركون أسرار المهنة ولا يجيدون سوى المديح والتزلف والاستعراض بعلاقات القربى مع صاحب الشركة التائه في بحر من الوهم والخسائر المتفاقمة.

ذات يوم، خرج قليلاً من سجنه وهرب قصيراً من آسريه، واتصل بي ملحاً على اللقاء بأسرع وقت من أجل استشارة عاجلة، والتقينا في مقهى صغير بالقرب من مكتبه. كان شديد الحرص على التظاهر برباطة الجأش وتغطية مشاعر الانكسار. ما زال مصراً أمامي على أنه رمز من رموز النجاح وأنه البطل الذي لا يُهزم. حينما يعيش المرء طويلاً في وسط لا يقول له «لا» ولا يسمع فيه غير ما يريد أن يسمع من الإطراء والمدح والثناء.. كيف لك أن تقنعه بأن الكوارث تحيط به من كل صوب؟

وحينما يمسي المرء ويصبح على لغة الثناء والإطراء وهز الرأس بالموافقة على كل شيء وأي شيء فله العذر أن يظن أنه طول الوقت على حق ودائماً رأيه سديد وكلامه صواب.

بدا أمامي نمراً من ورق وهو يطلب المشورة بلغة فيها عناد وتظاهر بالهدوء، سألته إن كان مستعداً لسماع رأيي بسعة صدر وحسن ظن، هو يعرف عز المعرفة أن ليس لي مصلحة سابقة أو لاحقة في مشاريعه واستثماراته، وبما أنه قصدني لنصيحة عاجلة فلم يكن أمامي سوى مصارحته بأنه هو المشكلة الكبرى لأنه ببساطة ربى نفسه على سماع فقط ما يطرب أذنه من مديح ونفاق. كنت أرى ملامح وجهه أمامي تتغير بالثانية الواحدة وكان يكبت غضبه وحيرته مما يسمعه فمن يجرؤ أن يقول له صراحة وبالفم الملآن: أنت المشكلة؟

أو لعله لعن اللحظة التي رفع فيها الهاتف طالباً إستشارتي العاجلة. وانطلقت في الأسئلة: كيف يمكن أن يدير قسم المحاسبة في شركتك من لا يملك أي تأهيل أو خبرة في المحاسبة؟ وهل علاقة القربى مبررا لتسليم مفاصل الشركة لأبناء العم وأولاد الخال وأبناء الأصدقاء؟

لم يتحمل الرجل أسئلتي ولم يدعني أكمل فخرج غاضباً ولم أعد أسمع منه إلا عبر رسائل الجوال القصيرة في الأعياد وبعض المناسبات الاجتماعية. أغلقت الشركة لاحقاً وعرفت من بعض معارفه أنه قد باع حصصه في شركات كثيرة ناجحة من أجل تسديد الديون والبدء في مشاريع جديدة في بلد مجاور.

هذا الرجل الطيب والمعروف بكرمه وعصاميته جر نفسه إلى الخسارة لأنه ببساطه حاصر نفسه بفريق من المطبلين والمتزلفين والجهلة. ومع الوقت حاصرعقله برأي واحد وصوت واحد ثم صدق الوهم فظن أن رأيه هو الصحيح على طول الطريق. كيف ستكون الحال لو أنه درب نفسه على سماع الرأي المختلف والنصيحة الصادقة حتى وإن كان فيها قسوة؟

هنا مثال حي لأزمات كثيرة نعيشها في منطقتنا نتيجة طبيعية لغياب النصيحة الصادقة أو إقصاء الأصوات الناقدة وهيمنة خطاب النفاق على المشهد. قصة «الفرد» تلك هي ـ في الواقع ـ قصة «مجتمع» بأكمله في عالمنا العربي اليوم حيث تتوارى ثقافة النقد ونقد الذات تحديداً. ولم لا والمجتمع العربي ـ بنخبه ـ يعيش أسيراً لخطاب واحد ولغة واحدة لا تخرج عن «النص» إلا قليلاً وإن فعلت قامت الدنيا ولم تقعد؟

هذه الثقافة التي ترفض النقد وتخشاه هي التي قادت إلى تفاقم مشكلاتنا ـ على أصعدة كثيرة ـ وهي التي أسست لردة فعل تشكك في كل صوت مختلف لأن السائد المفروض على الناس منذ عقود لا يتجاوز لغة المديح الممجوج والتحريض الرخيص ضد أي صوت يحذر من الكارثة!

الفارق بين الطبيب الماهر والمعالج بالشعوذة أن الأول يشخص حالة المريض بصدق وصراحة ويتعامل مع الحالة بمواجهة تقتضيها أخلاقيات المهنة وشروطها. أما المشعوذ فلا يملك سوى التلاعب بمشاعر الناس وعواطفها ببيع الكذب والوهم. وحينما تسوء الحال وتتدهور الصحة، لا قدر الله، لمن نذهب؟

ولهذا فإن واحدة من الشروط الأولى لخروجنا -كلنا - من مأزق التنمية الراهن هو خروجنا ـ كلنا ـ من ثقافة «الشعوذة» المهيمنة ومواجهة «الحقائق» على الأرض مهما كانت صعبة ومؤلمة وقاسية. هل لك أن تسأل إلى ماذا وإلى أين أوصلنا «الكلام المعسول» الذي سمعناه طويلاً؟

أنت الحَكم!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu