لم تر إدارة الرئيس بوش، في إيعاز حكومة أولمرت للمباشرة في بناء 750 وحدة سكنية في ضواحي القدس؛ سوى خطوة «غير مساعدة»، لمسيرة السلام. فقط «معرقلة»، لا أكثر. من دون تحديد طبيعة هذه الخطوة؛ حتى لا يتطلب ذلك اتخاذ موقف منها. اكتفت بتصنيفها في هذه الخانة، عملاً بتقليد متوارث تناقلته الإدارات الأميركية المتعاقبة. كلها استخدمت نفس العبارة، في كل مرة قامت فيها إسرائيل ببناء مستوطنات جديدة، أو توسيع القائمة منها.

ولا مرة أطلق رئيس أو مسؤول أميركي، على الاستيطان الإسرائيلي، عبارة «غير شرعي». ولا حتى ما يفيد ذلك. وقبل الرئيس كارتر، لم يكن حتى توصيف «غير مساعدة»، وارداً؛ في ردّ الفعل الأميركي؛ بهذا الخصوص. ومنذ ذلك الحين بقيت واشنطن على هذا الموقف.

طالما بقي الموقف الأميركي على حاله، من الاستيطان الإسرائيلي؛ فلا جدوى من كل ما تقوله وتطرحه واشنطن بخصوص السلام. فهذا الموضوع يشكل العقبة الأساسية في طريق أي تسوية. وما لم تتوفر مواجهة هذه المشكلة على أرضية أن المستوطنات التي أقامتها إسرائيل ولا تزال ، ليست شرعية؛ فلن يستقيم السعي في هذا الاتجاه. عن طريقها، قضمت إسرائيل وابتلعت - ولا تزال- الأرض.

وهذا النهب المنظم للأرض خلق واقعاً، كان وراء فشل كافة المحاولات والاتفاقيات والخرائط؛ التي زعمت أنها تنشد إقامة دولة فلسطينية. مع ذلك احتفظ الموقف الأميركي بجوهره ولم يتغير من البداية وحتى اللحظة.

فقط دخلت عليه عبارات؛ في أحسن أحوالها تلطيفية. أو بالأحرى تمويهية. يلف ويدور حول الموضوع، من دون ملامسة حقيقته؛ وبالتالي من أن يبنى على الشيء مقتضاه. العالم لا يرى في الاستيطان الإسرائيلي سوى غير شرعيته؛ فيما لم تصل واشنطن بعد إلى حدود إدانته. ولو بالمفرّق. ناهيك بالسماح بتمرير قرار لإدانته، في مجلس الأمن الدولي.

علماً بأن أكثر من تفاهم، بل توافق؛ حصل وبرعاية هذه الإدارة - خلال أنابوليس ثم أثناء زيارة الرئيس بوش مؤخراً إلى المنطقة- حول وجوب التوقف عن بناء أية مستوطنات جديدة. لكن إسرائيل تفتعل الذرائع والحيل؛ تارة بزعم ما تسميه بـ «التوسع الطبيعي» للمستوطنات القائمة.

وتارة أخرى بعذر أقبح من ذنب، مثل القول بأن ما تنوي بناءه سبق واتخذ القرار بشأنه منذ فترة. خداع اعتادت عليه إسرائيل. وهذا متوقع . لكن الموقف الأميركي، القائم على تمييع خطورة الاستيطان يقل خداعاً. عبارة «غير مساعدة» أو «معرقلة» لا تقل عن التماهي مع الموضوع، ولو بصورة مواربة.

بالنهاية، النتيجة واحدة: إسرائيل تواصل الاستيطان؛ بين الفينة والأخرى؛ وواشنطن تتولى التمييع والتمويه. الحصيلة، سرقة الأرض بالتقسيط وبما يؤدي إلى خلق أمر واقع جديد، يلزمه، هو الآخر، مفاوضات ومساع إضافية لمعالجته.

وكل ما كان عند الرئيس بوش أنه أعلن عن قرب وصول وسيط أميركي جديد؛ مهمته مساعدة الجانبين على العودة إلى التفاوض. كما أن كل ما كان لدى الوزيرة رايس قوله، قبل لقائها مع نظيرتها ليفني، أمس في واشنطن، بأن «سياسة الإدارة تجاه المستوطنات، لم تتغير». طبعاً هي كذلك. إذا أخذنا علماً بأنها لن تبارح تمييع الموقف من الاستيطان الإسرائيلي.