تكتنف مسيرة النضال الفلسطيني عثرات عديدة وهنات أخذت على اولئك الذين لا يجيدون استثمار المقاومة السياسية، ويواصلون العمل المسلح في اوقات قد تكون غير مختارة بعناية.

وخلال العشرة ايام الاوائل من هذا الشهر جرت دماء كثيرة على الارض المحتلة، وتألم الاسرائيليون لكن ألم الفلسطينين كان أكبر وودع العديدون أحبة لهم إلى القبور، ولأن الموت خير واعظ، لذلك شهدت الايام بل الساعات الأخيرة بوادر رشد وعقلانية على ساحة النضال الفلسطيني خاصة حين تتواتر الانباء عن توافق فلسطيني فلسطيني على هدنة مع اسرائيل واستعداد لوقف الهجمات الصاروخية وقد اتضح اثر الوفاق الفصائلي الفلسطيني بوضوح على الساحة الاسرائيلية التي ارتبك قرارها السياسي امام إعلان التوقف عن اطلاق الصواريخ تماماً.

فمناخ التهدئة لا يتوافق مع المخططات الاسرائيلية غير المعلنة التي تستهدف إيهام العالم بأن الجانب الفلسطيني لا يعرف الا العمليات (الإرهابية)، فتارة يعلن الاسرائيليون عن وقف الاعتداءات على قطاع غزة، وتخفيف الإغلاق الذي فرض على الضفة الغربية عقب العملية التي استهدفت طلاب المدرسة اليهودية بالقدس الغربية، وتارة اخرى يعلنون عن استئناف الاستيطان وايضاً ينفون وجود قرار تهدئة من الجانب الاسرائيلي، وينفون ايضاً ان تكون اسرائيل طلبت من مصر القيام بوساطة من اجل وقف إطلاق النار.

وسيزداد الموقف الاسرائيلي ارتباكاً مع ذلك التقارب الحثيث بين فتح وحماس الذي بدأ في القاهرة ومن المتوقع ان يستمر التفاهم بين الفصيلين من خلال لقاءات اخرى يجري الترتيب لها في اليمن وتلقى استحساناً من كلا الفصيلين وقياداتهما ومن الجماهير الفلسطينية والعربية.

طبعا واشنطن وجدت في هذه التهدئة فرصة لجني كسب سياسي لا تستحقه بكل تأكيد بإعلان بوش أن زيارة تشيني نائب الرئيس إلى الشرق الأوسط في السادس عشر من الشهر الجاري تأتي لطمأنة المنطقة بشأن الالتزام الأميركي بتطبيق اتفاق سلام عجزت واشنطن في كل المراحل والمباحثات السابقة عن تطبيقه وليس من المتوقع من الآن وحتى انقشاع غبار الحملات الانتخابية للرئاسة الأميركية نهاية هذا العام ومعرفة من سيقدر له تسلم مفاتيح البيت الأبيض.

إن أبناء المنطقة العربية قادرون بكل تأكيد على انفاذ مبادرتهم للسلام إذا استمر هذا الوفاق الفلسطيني الفلسطيني ورافقه وفاق عربي عربي خلال قمة دمشق المقبلة . أما زيارة تشيني فآخر اهتماماتها كما اثبتت التجارب السابقة الحديث عن السلام بينما تتخم حقيبته وجدول اعمال جولته بمطالب ورهانات وضغوط معظمها ذو طابع اقتصادي.

اما نوايا اسرائيل في التوسع الاستيطاني فأغلب الظن ان الفلسطينيين وحدهم لا يستطيعون وقفه، ولا حتى الولايات الاميركية التي اعلنت في مؤتمر أنابوليس عن استعداد اسرائيل لوقف الاستيطان وفي نفس اليوم اعلنت اسرائيل عن مناقصة لتوسيع المستوطنات. إنما تفاعلات احداث الشرق الاوسط في مجملها هي التي تستطيع إشعار الاسرائيليين بأن موقفهم يزداد حرجاً كما أشار التقرير الاستخباراتي الاخير لجهاز الموساد الاسرائيلي، فهناك خليط من الأحداث كلها تبرهن على إفلات زمام المبادرة من بين ايدي الاسرائيليين ولم يعد امامهم الا التجاوب مع نداءات التهدئة الحقيقية والسلام العادل، فلتكن المرحلة المقبلة مخصصة لتوفير مزيد من التنسيق بين أصحاب القضية وبين حلفائهم وأشقائهم العرب من خلال المؤتمرات واللقاءات التي يحفل بها هذا الشهر، لكي تجد اسرائيل نفسها تتجه نحو مزيد من الازمات التي تقربهم من القناعة بقيمة المفاوضات والاستثمار في صناعة السلام.