احتاجت الحكومة العراقية في بغداد إلى خمسة أيام لرفع عقيرتها احتجاجا على غزو الجيش التركي إلى أراضيها!! فهل كانت الرؤية السياسية لدى حكومة بغداد صعبة بهذا القدر لكي تبقى منتظرة «بحيث لم تؤيد ولم تستنكر بل لجأت للصمت تاركة الشارع العراقي بكل اتجاهاته حائرا ومتسائلا ما الذي تنتظره الحكومة، حتى تستكشف الحقائق العسكرية التي تدور في شمال البلاد.
لا بد وان الضوء الأخضر ترك للبيت الأبيض من جهة، وللبيت الكردي من جهة أخرى، فالحزبان المهيمنان على شمال البلاد وقعا في حيرة قرارهما، فهما تربطهما عرى تحالف استراتيجي في الحكم منحهم قوة بحيث لا يمكن تفتيتها، فالمصالح العليا لإقليم كردستان بات حكما ذاتيا يتمتع بوضع مريح له خصوصياته.
ولن يفرط الأكراد في الشمال بتلك المميزات والامتيازات ما بين قرار السيادة الحدودية في مثل هذه الحالة منوط بحكومة الشمال أم بالحكومة المركزية في بغداد، ولم تتحقق تلك القوة والحماية منذ أوائل التسعينات لو لا المظلة الأميركية، فكان البرلمان الكردي حائرا بالمثل مع حكومته، وحزبيه اللذين عبثت بهم الأقدار في مأزق تاريخي من هذا النمط، إذ التخاذل مع القضية الكردية في جنوب تركيا بمثابة خيانة وانهزام إزاء الإخوة أكراد تركيا، فتعطلت حيرة الرئيس فعّطل معه وزير خارجيته قرار حكومة بغداد التي كان عليها أن تتبادل الرأي مع واشنطن من وراء الكواليس وماذا ينبغي فعله بينما كان البيت الأبيض وسيطا وصديقا بين بلدين حليفين حاضرا ومستقبلا خاصة بعد رحيل صدام في عراق جديد.
وقد رشحت في الساعات الأولى من الزحف العسكري الواسع أن الولايات المتحدة طلبت من الجيش التركي أن يكون تدخله في الأراضي العراقية محدودا ومؤقتا، فوجدنا أنفسنا محشورين بمفهومي الزمن والجغرافيا، إذ خلال أسبوع سيكون الأمر كافيا لدك معاقل حزب العمال الكردستاني، والذي وفق إحصائية الجيش التركي سقط منه من المتمردين ما يقرب 240 متمردا «غير أن المعلومات لم تكشف عن الأعداد الدقيقة من الأبرياء وكم نزح من القرى في الشريط الحدودي المزمع تنظيفه من المتمردين قبل أن يذوب الثلج معتمدا الجيش التركي هذه المرة.
وبخلاف الحملات العسكرية السابقة على تقنية دقيقة في إصابة الهدف من الجو وبإرسال مجموعات خاصة من الفرق المقاتلة في مناخ ثلجي صعب، وبرغم كل ذلك كانت الأكفان تعود ملفوفة بالأعلام التركية، فلم تكن فقط قلوب الأمهات الكرديات تموت حسرة وإنما أمهات الجنود الأتراك حتى وان كان العدد المقتول صغيرا ولكنه بمعيار الوقت القصير يعتبر كبيرا، فيما لو قمنا بمقارنة قوتين غير متوازنتين في العدة والعتاد.
وكلما كان بكاء الأمهات في أنقرة واسطنبول يصل مقر الرئاسة العسكرية كان غضب الصقور من العسكر القديم يغلي غضبا خاصة عندما شاهد العالم عودة مفاجئة للجنود الأتراك من جبهة القتال فخرجت الأصوات متنافرة متسائلة ما الذي حدث ؟ فقيل ان المهمة قد أنجزت وقال البعض انها مجرد التقاط الأنفاس وإعادة انتشار جديد «يبدأ مع استبدال فرق عسكرية بأخرى، فقد استنزف القتال في تلك المناطق الوعرة جهد الشباب التركي الغض الحديث في خبرته القتالية باعتبارهم جنود الخدمة الاعتيادية .
ذلك الانسحاب كان مؤشرا على إعطاء السياسة والدبلوماسية حصتها من الدور المطلوب، فهناك تداعيات في العراق وهناك تداعيات في جنوب تركيا عبر عنها الأكراد، بلغت المدن التركية الرئيسية، بل وتطايرت أدخنة التفجيرات كإعلان قابل للتطور من قبل حزب العمال الكردستاني الذي يملك رصيده من خلايا المدن السرية مثل أي تنظيم لديه تجارب عميقة في الجانبين قتال الجبال وقتال المدن، والثاني أصعب ملاحقته وتكلفته باهظة.
ولا يمكن القضاء عليه فالحزب يختفي بين شعبه وأنصاره والذين يقدرون في تركيا بأكثر من 18 مليون كردي، تدعمهم حركة ديمقراطية كردية لها ثقلها البرلماني وحضوره السياسي، وهم من ضغطوا مع البيت الأبيض وكذلك أكراد العراق بإعطاء الحوار السياسي فرصته مجددا، وهذا ما قاله في لقائه مع الطالباني رئيس الحكومة التركية عبد الله غول الذي أشار الى ان العنف لن يحل المشكلة وان الحوار السياسي الطريق الأفضل باعتبار أن ذلك هو خيار الاتحاد الأوروبي وان تركيا ترى نفسها ضمن الخيارات الأوربية الديمقراطية.
ومن يفهمون ما وراء الحقيقة الكامنة يدركون أن تركيا اليوم ليست كما هي حربها السابقة مع حزب العمال الكردستاني، فقد صعد حزب العدالة والتنمية للحكم فما عاد العسكر هم من يحملون عصا العصيان حيثما أرادوا كما أن قيام الاتحاد الأوروبي بات معطى جديدا، وصارت تركيا مربوطة بالحلم الأوروبي، وتقع عليها تبعات عدة تلزمها بكل قراراتها الخارجية والداخلية، ولا يمكنها العبث بسهولة بمسائل حقوق الإنسان والديمقراطية الأوروبية الموحدة.
لهذا كان على الرئيس العراقي أن يحمل نفسه إلى أنقرة دون ترتيب الملفات الدبلوماسية لبرتوكول الزيارات المعدة سلفا وبوقت طويل خاصة إذا ما كانت زيارة رئيس دولة بل ودولة مجاورة تمر بعلاقات متوترة بلغت حد التحركات العسكرية وبلد لم يزر رئيسه البلد الأخر منذ وقت طويل.
وتجاوزا للبرتوكول لم يمنح العسكر الرئيس العراقي بركتهم في المراسيم وتأمين الحماية العسكرية، وتركوا للرئيس أن يتصرف بمفرده، وكانت ترنيمة ثنائية لإظهار التناقض في الموقف للشارع التركي الساخط من عودة الجيش من جبهة القتال، وقد كان ذلك قرارا سياسيا وليس عسكري.
من جديد يدرك العسكر أنهم محاصرون أوروبياً وبأن غول مدعوم باللعبة السياسية في التعاطي هناك مع ملف حزب العمال الكردستاني، وقد نجح الطرفان في تبادل المنافع بعد أن كشف الطالباني في اللقاء الصحافي بعظمة لسانه أن لديه مع تركيا «الجار الكبير!!» مصالح مشتركة ومصائب مشتركة، فكان واضحا ما هي المصائب حيث أعلن الطرفان ضرورة إلغاء السلاح وإلا على الحزب مغادرة شمال العراق فوضع الحزب في مقايضة صعبة. ما قبضته العراق ليس التحالف الاستراتيجي الذي يحلم به الرئيس العراقي .
ولكن الأهم هو الاستثمارات والتعاون في مجال الطاقة والنفط والتعاون العسكري فكانت صفقة رابحة للطرفين أفرحت قلوب الجميع حتى وان وصفت في العراق بأنها زيارة عبثية وتعاملوا معها على أساس زيارة عمل ولكن دبلوماسية الطالباني أفسدت غضب العسكر منه عندما أصر زيارة ضريح أتاتورك ليقول لهم إنني مع الرئيس ومع العلمانية أيضا، فقد صار أكراد العراق براغماتيين وفي ذات الوقت يقدر أكراد تركيا مأزقهم الذي وضعوهم فيه، ولن يجازف أكراد العراق بتدمير حكومتهم من أجل مسألة قابلة للتفاوض والمقايضة.
كاتب بحريني