على الرغم من سلميته المعلنة لا يخلو البرنامج النووي الإيراني من الجدل بشأنه مما يسهل على الإدارة الأميركية إثارة المخاوف الدولية منه. ذلك ما استعملته الإدارة الأميركية أخيراً بكثافة لتأليب الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي خاصة الرافضة أصلاً لتشديد العقوبات على الدولة الإيرانية مثل روسيا والصين وليبيا، وحتى فرنسا ما بعد جاك شيراك.

بشكل عام فإن قرارات مجلس الأمن المنحازة لا تصلح لمخاطبة إيران بهذا الشكل نظراً للطبيعة المتأزمة في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة. هنالك نقص جلي في المصداقية التي تتمتع بها الإدارة الأميركية في مجمل تحركاتها الدولية الحديثة. حالياً تتصرف الولايات المتحدة تجاه الآخرين كشرطي أمن وحيد آمر يأمر ليطاع.

جل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي عقب انتهاء الحرب الباردة تتميز بكونها سياسية بامتياز إلى جانب افتقارها للواقعية والمسوغ القانوني الدولي. تلك القرارات جزء من السياسة الأميركية تجاه العالم.

القرارات التي لا ترضي الإدارة الأميركية تستعمل الأخيرة حق الفيتو ضدها وتصبح جزءاً من العدم، وما على الآملين ببصيص من العدالة الدولية إلا العودة أدراجهم. في ذلك ذاق الفلسطينيون واللبنانيون وبقية العرب مرارة اللجوء إلى مجلس الأمن للمساعدة على تخفيف حدة الاعتداءات والسياسة الإسرائيلية.

حتى قرار إنشاء محكمة التحقيق باغتيال الشهيد رفيق الحريري هي لهدف تعزيز التدخل الأميركي في المنطقة. تبعاً لذلك النوع من المنهجية السياسية الأميركية كيف لدولة مثل إيران أن تفترض خيراً في القرارات الدولية التي تجري بتحريك وتحفيز وتأثير أميركي علني ومستتر؟!.

بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 خاصة القرارات الأميركية التي يتبناها مجلس الأمن محكومة باللا-منطق واللا-عقلانية تجاه القضايا التي تهم دول العالم الإسلامي بشكل واضح.

الدولة الإيرانية تتعاون بشكل كامل مع منظمة الطاقة الدولية التي لم تقدّم حتى الآن أي دليل على شبهة في برنامج إيران النووي، ومنظمة الطاقة الدولية معروفة بصرامتها ومسايرتها للسياسات الغربية والأميركية وخبراؤها لا يجدون حرجاً في الإعلان عن أية شكوك اتجاه إيران، الدكتور البرادعي مثلاً- على مواقفه المتواضعة بشأن قول الحق في هكذا قضايا دولية- لا يتردد في الإعلان عن أنه لا يوجد ما يشير إلى أي نشاط نووي إيراني خارج المسموح به.

الثلاثاء الماضي صوّت مجلس الأمن الدولي بالإجماع على مشروع قرار بتشديد العقوبات على إيران بشأن برنامجها النووي. تشمل العقوبات إجراءات تذكّر بتلك التي اتبعت ضد العراق لمدة طويلة بالرغم من التعاون الكامل الذي كان يبديه العراق مع فرق التفتيش الدولية التي وصل نشاطها إلى كل زاوية وركن صغيرين في أرض العراق.

قبل التصويت الأخير ضد إيران بقليل، يوماً أو بعض يوم، اعترضت الولايات المتحدة على مشروع قرار يدين الاعتداءات الإسرائيلية الإجرامية الصارخة على المدنيين المحاصرين في قطاع غزة، هنالك سياسة أميركية قديمة جديدة تتميز بالازدواجية والتحيز وإسكات الأصوات المعارضة للسياسة الأميركية.

بالتوازي مع إصدار القرارات الدولية ضد إيران تقوم الولايات المتحدة بإجراءات وأعمال ميدانية سياسية وعسكرية استفزازية ضد إيران وسوريا بشكل خاص، والأساطيل الأميركية تركّز نشاطها قريباً من السواحل الإيرانية في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي، وفي البحر المتوسط تقوم البحرية الأميركية باستفزاز القوى الحليفة لإيران، هذا ما يعني أن قرارات مجلس الأمن تسير جنباً إلى جنب مع التحركات الأميركية السياسية والعسكرية الرامية إلى إحداث نوع من الترغيب والترهيب لحمل إيران على التخلي عن برنامجها النووي.

ذلك أمر غير مقبول على الإطلاق بالنسبة للايرانيين لأنه يطالب بتخلي إيران عن مستقبلها العلمي والفكري التطبيقي وحتى السياسي، إيران كأمة ونظام سياسي وأيديولوجي لا يمكنها الوصول بالتنازلات إلى أكثر مما آلت إليه، إذن لم يتبق أمام الإدارة الأميركية إلا القيام بوضع اللمسات الأخيرة على إعلان الحرب على الدولة الإيرانية بعد عزلها تماماً عن العالم الخارجي.

الدولة الإيرانية بطبيعتها منفتحة وتمد يد التعاون والمساعدة والعون والخبرات العلمية للجميع، وحديثاً عرضت إيران على دول العالم الثالث ومنها دول عربية التعاون في مجال البحث العلمي وإنتاج الطاقة النووية وذلك ما يزيد من غيظ وحنق الإدارة الأميركية عليها،و زاد ذلك من وتيرة التحركات الأميركية السياسية والميدانية الرامية إلى عزل إيران دولياً بهدف تخويفها والضغط عليها وإجبارها على وقف تطوير برنامجها النووي المتمثل بتخصيب اليورانيوم بنفسها على الأقل.

بقراراتها وحركاتها الميدانية السياسية والعسكرية لا تبقي الإدارة الأميركية هامشاً عريضاً يسمح بالتأويلات السياسية لما يجري. الولايات المتحدة تريد مخاطبة الدولة الإيرانية بأقصى صرامة ممكنة وتطالبها بالتحرك بأقصى سرعة ممكنة، و إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الذي يقود الولايات المتحدة إلى عدد من المستنقعات الموحلة، تتصف بالطيش والنقص في المصداقية والحكمة عند معالجة الأمور وهي خائفة من الفشل الكبير المخيب للآمال لها في مواجهة إيران.

في الآفاق المحيطة تقود الولايات المتحدة حملة دولية على شكل «محكمة تفتيش دولية» ضد الهوية والكيانات الإسلامية على مستوى العالم، ويشمل برنامج «المحكمة» هذه كل مسلم من مختلف الأعمار والأعراق والألوان والأطياف السياسية، لا توجد في المنهجية الأميركية الحديثة شخصية ذات ملامح إسلامية يمكن أن تستثنى مادة وفكراً ومعنى.

السياسيون الإيرانيون يدركون أكثر يوماً بعد يوم طبيعة الاستهداف الأميركي للدولة الإيرانية ،وإيران اليوم محاصرة بمجموعة من الإجراءات والقيود من المجتمع الدولي الرسمي الذي يدين بالتحالف والولاء والطاعة للإدارة الأميركية بفضل نفوذ الأخيرة القوي العنيد، لا أحد يريد أن يضحي بمصالحه الحيوية لحساب مناصرة الدولة الإيرانية المحاصرة .

وإن كانت الأخيرة على حق في طموحاتها نحو امتلاك قدرات نووية، خاصة السلمية منها، والدولة الإيرانية مدعوة أكثر من أي وقت مضى لكي تحسب كم هي مستعدة للصمود أمام الضغوط الأميركية والدولية المتزايدة. بعبارة أخرى هل تمتلك إيران القدرة على الذهاب إلى حد المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة؟!

وهل للأخيرة النية أو القدرة على تشكيل تحالف عسكري وسياسي دولي كما حدث ضد العراق عام 2003؟!، لا يُعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على فعل ذلك. لكن الحصار والإجراءات الأميركية ضد إيران هي من القسوة والصرامة بمكان ربما تحاول فيه الإدارة الأميركية الاستعاضة بها عن إعلان حرب مفتوحة على كافة الاحتمالات.

الإدارة الأميركية عاقدة العزم على المضي قدماً في ضرب النظام الإيراني وتظن أن التأخير في ملاحقته وضربه يساهم في تقويته ويؤدي إلى صعوبة وخطورة التعامل معه لاحقاً، وللولايات المتحدة حسابات قديمة تعود إلى أيام الثورة الإيرانية والحرب العراقية-الإيرانية وهي ،أي الإدارة الأميركية، تنتهز أية فرصة لتنفيذ أحقادها.

ومنذ إثارة قضية الملف النووي الإيراني في مطلع القرن الحالي فإن الأمور متجهة دائماً نحو التصعيد والتأزم، والدولة الإيرانية متمسكة ببرنامجها النووي السلمي الذي صرفت المليارات للوصول به إلى درجة راسخة من الاستقلالية والتحكم الذاتي المحلي. القدرات العسكرية الإيرانية الظاهرة كبيرة وتجعل الطرف الأميركي يفكر ألف مرة قبل القيام بعملية غير محسوبة جيداً. المنطقة المحيطة بإيران شديدة الحساسية لأي توتر، لكن من المعروف أن الإدارة الأميركية تتمتع بدرجة من الطيش لا تأخذ طموحات وآمال ومصالح أهل المنطقة بعين الاعتبار.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae