التهديدات الإسرائيلية بشن المرحلة الثانية من الحرب على غزة لاستكمال هستيريا «الهولوكوست الصهيونية» أو على لبنان.. والتلويح الأميركي عبر المدمرة «كول» لسوريا العربية أو إيران الإسلامية، بالاستعداد لشن حروب أميركية جديدة في المنطقة، ما هي إلا ترجمة عملية للاستراتيجية الصهيو أميركية المشتركة التي تستهدف الحرب على مراحل، في محاولة لإحكام السيطرة على العرب والمسلمين.

أليس الرئيس الأميركي بوش من قال بعد غزو أفغانستان عام 2001 أمام مجلسى النواب والشيوخ الأميركيان: «هذه هي المرحلة الأولى من حرب أميركية طويلة تمتد لسنوات وعلى مراحل في البلاد العربية والإسلامية لفرض الإذعان والسلام..» (وهو بالطبع يقصد سلام الإذعان أي الاستسلام)؟!

وأليس هو من شن «الحرب الصليبية »على العرب والمسلمين باسم الحرب على الإرهاب؟ وأليست إسرائيل وأميركا تصفان المقاومة المشروعة للغزو غير المشروع بالإرهاب، بينما ترتكبان في فلسطين والعراق ولبنان والصومال باسم الحرب على الإرهاب أبشع جرائم الإرهاب؟!

وأليس هو الذي تجاوز الشرعية الدولية، وبارك «الدولة اليهودية»، واختطف ملف قضية فلسطين مديرا ظهره لقرارات الأمم المتحدة، متجاهلا عودة القدس وعودة اللاجئين إلى ديارهم، ومبررا اعتداءات إسرائيل اللاإنسانية بأنها دفاع عن النفس؟!

وأليس عدوانا الغزو الأميركي لأفغانستان الإسلامية باسم الحرب على الإرهاب، وغزو واحتلال العراق العربي بمزاعم كاذبة ودعاوى خادعة باسم نشر الديمقراطية، وتزييف المفاهيم وقلب الحقائق بتسمية الاحتلال تحريرا، والتدمير تعميرا؟

ثم أليس مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الصهيوأميركي الذي يقوم على التقسيم والتفتيت على أسس طائفية ومذهبية وعرقية للمنطقة العربية الإسلامية، هو التحدي الذي يستلزم الاستجابة بالوحدة ويستلزم التصدي بالمقاومة؟..

لكن الغريب أنه بينما يتعامل العالم الغربي مع العالم العربي والإسلامي برؤى وتحركات متكاملة يتبادلون فيها الأدوار ضمن استراتيجية أطلسية واحدة بالنظر للعالمين كوحدة واحدة.. يبدو أن الخلل الاستراتيجي والتكتيكي في تعاملنا مع قضايانا العربية والإسلامية، هو أننا نتعامل مع العالم بلا استراتيجية واحدة للتعامل مع العدو كعدو ومع الشقيق كشقيق، برؤى وتحركات متفرقة تتعارض فيها الإرادات وتتصادم فيها الأدوار.

ففي حين ينظر هذا العالم إلى الأمتين ككتلة واحدة يسعى إلى تفكيك وحدتها الطبيعية الجغرافية والتاريخية بالتقسيمات الحدودية والسياسية والطائفية والمذهبية، ويسعى إلى فرض إرادته عليها ووضعها ضمن مشروعه الاستعماري الجديد، بالضغوط السياسية تارة وبالعقوبات الاقتصادية تارة، وبالحروب العدوانية وبالغزو والاحتلال تارة أخرى.. تبدو المواجهة العربية والإسلامية مع هذه السياسات الغربية والصهيونية منقسمة أولا بين عالمين عربي وإسلامي، وثانيا بين موقفين، مقاوم ومسالم.. وأحيانا باعثة على الاستغراب حين تسالم من يعاديها وتعادي من يسالمها!

بين محور يرى المقدمات على مدى 60 عاما من عمر القضية الفلسطينية تقود إلى النتائج بأنهم لا يريدون، من خلال «المفاوضات العبثية» بلا نتيجة والمتواصلة بلا نهاية، تحقيق السلام وإنما فرض الاستسلام.. ولهذا يرفض الخضوع ويختار طريق الممانعة والمقاومة السياسية والعسكرية للمشروع الصهيو أميركي، بمنطق أن «ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة»..

ومحور آخر يرى أن المواجهة بالقوة لم تصل إلى نتيجة، والحكمة السياسية هي بالمهادنة والمداهنة مع «واشنطن» والمفاوضة مع «تل أبيب»، حيث لن تجدي منازلتها بحروب محكوم عليها ولا «بمقاومة عبثية»، وإنما بمسايرتها والمراهنة على ربط مصالحها بمصالحنا السياسية، واستخلاص ما يمكن استخلاصه بالسياسة بمنطق أن «ما لا يدرك كله لا يترك جله».

.. ويبقى المطلوب هو تكامل الرؤى وتكاتف القوى بين المحورين، والتعامل مع العالم ككتلة واحدة تضغط لاستخلاص حقوقها، تسالم من يسالمها وتعادي من يعاديها.. والتوافق على استراتيجية عربية إسلامية مشتركة، لا تجعل المفاوضة بديلا للمقاومة، وإنما تفاوض وتقاوم بكل الوسائل المشروعة.

mamdoh77t@hotmail.com