عوامل القوة المحلية والإقليمية لإيران، المعطوفة على تجربة الولايات المتحدة في العراق، وتجربة الحرب الإسرائيلية ضد لبنان (2006)، هي التي تدفع الإدارة الأميركية إلى التفكير مليّا بالخيارات التي يمكن أن تتخذها ضد إيران، وخصوصا منها العسكرية، التي تبدو مكلفة جدا، وغير محمودة العواقب.

ولعل هذا يفسّر محاولات إدارة بوش الحرص على استمرار الجهد الدبلوماسي مع إيران، بشأن سعيها لتملك الطاقة النووية، وبما يتعلق بترتيبات الوضع في العراق. علما أن هذا الجهد ينحو، كما هو واضح، إلى تحجيم نفوذ إيران الإقليمي، بعزلها عن المشرق العربي، وعن قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي؛ وهذا هو مغزى الحوار معها في هذين الموضوعين المذكورين فقط.

هكذا فإذا نحينا الخيار العسكري ضد إيران، وهو مكلف، ولا يمكن التكهن بعواقبه، ولا الجزم به، فإن الإدارة الأميركية لا تملك إلا إبداء الرغبة باستمرار الحوار مع إيران في الملفات العالقة، والتعاون في الملفات المتّفق عليها، مع استمرارها بالسعي، دوليا وإقليميا، للجم نفوذ إيران، وتحجيمها ضمن حدودها.

طبعا ثمة خياران بديلان، وهما المرجحان في هذا المجال، أولهما يتمثل بخيار الصفقة، حيث تتم مقايضة إيران قضية بقضية، من مثل السكوت الأميركي عن بعض النفوذ لها في العراق، مقابل تسهيلها العملية السياسية فيه (ومن الواضح أنه ثمة تواطؤ ضمني متبادل في هذا الاتجاه منذ بداية الاحتلال). أو مثل القبول باستئناف إيران لمحاولاتها الحصول على الطاقة النووية، على أن يتم حصرها بالأغراض السلمية، وعلى أن تخضع باستمرار لرقابة دولية (وثمة مفاوضات مستمرة في هذا الشأن).

وينبغي لفت الانتباه إلى أن هذه المقايضة يمكن أن تتضمن تسهيل إيران لمحاولات الولايات المتحدة الأميركية عقد نوع من تسوية ولو مرحلية للصراع العربي ـ الإسرائيلي، لاسيما في البعد الفلسطيني، وإيجاد نوع من تسوية للوضع اللبناني.

لكن التفاهمات في هذين الموضوعين ربما لا تكون مرغوبة، لا من إيران، من جهة، وذلك بسبب حرصها على حزب الله (في لبنان)، وعلى مداخلاتها في القضية الفلسطينية، وهي جد ضرورية لسياساتها الخارجية، التي تستسهل توظيف هذه القضية. ومن جهة مقابلة فإن الولايات المتحدة كذلك لا تبدو راغبة، في هذه المرحلة، في توسيع الصفقة إلى المشرق العربي، بسبب حساسية إسرائيل لهذا الأمر، أولا، ولأنها تتوخّى تحجيم نفوذ إيران، ثانيا.

المهم أن خلاصة هذه الصفقة المفترضة، من جهة الولايات المتحدة، هو التعامل مع إيران باعتبارها دولة إقليمية ينبغي الأخذ برأيها في شؤون المنطقة، مع تحجيم نفوذها الإقليمي داخل حدودها، إن أمكن وما أمكن، مقابل ترتيبات مواتية لها في العراق. أما بالنسبة لإيران فهي تعودت على عقد الصفقات مع الولايات المتحدة، لتجنب مواجهة غير مواتية معها، وأيضا لكسب المعركة على النفوذ في الشرق الأوسط بالنقاط، وحتى لا تخسر مواقعها التي تحققت لها على الأقل في العراق، في هذه المرحلة.

هذا إذا كنا نتحدث عن صفقة شاملة، ولكن الأمور ربما لا تأخذ هذا المنحى الشامل، وإنما تأخذ مسار الصفقات الجزئية، بمعنى توافق في مسألة ما، مقابل إبقاء مسألة أخرى خاضعة للنقاش وللتجاذب وربما للصراع أيضا، وربما أن هذا السيناريو هو الأقرب لمصالح ولخيارات كل من الولايات المتحدة وإيران.

عدا ذلك يبقى الوضع مفتوحا، في حال تعذرت الصفقة، باتجاه فرض عقوبات بدرجات متفاوتة على إيران، بحسب التطورات الدولية والإقليمية، من دون أن نقلل من احتمال القيام بعمل عسكري ما ضد إيران، أو ضد حلفائها في المنطقة، ما يؤدي لإضعافها أو عزلها.

مع ذلك فمن الصعب الحديث عن أية ترتيبات إقليمية إستراتيجية، سياسية واقتصادية وأمنية، في الشرق الأوسط بمعزل عن إيران، أو بدون إحداث تغييرات في السياسة الخارجية لإيران.

كاتب فلسطيني