الحرب الأميركية على الإرهاب حملة عنصرية. هذا الحكم القاطع لم يصدر عن إسلاميين «متطرفين»، وإنما صدر ـ وبصورة رسمية وعلنية ـ عن هيئة الأمم المتحدة فقد نشرت «لجنة القضاء على التمييز العنصري» التابعة للمنظمة الدولية تقريراً مدوياً تندد فيه بتحول العرب والمسلمين في الولايات المتحدة إلى هدف لممارسات عنصرية باسم «مكافحة الإرهاب».

التقرير في إجماله يعكس تصاعد الاستهداف العنصري من قبل الأجهزة الأمنية الأميركية منذ «أحداث 11 سبتمبر»، ضد العرب والمسلمين والمتحدرين من جنوب آسيا.

الكثير مما ورد في التقرير سبق أن تناقلته الوسائل الإعلامية العالمية على هيئة روايات إخبارية وبرامج تحليلية وتحقيقات صحافية. لكن قيمة هذا التقرير تأتي من كونه أول سجل توثيقي من نوعه يصدر عن أعلى هيئة دولية، مما يجعل من المستحيل على مؤسسة السلطة الأميركية أن تحاول التشكيك في محتواه أو قيمته.

منذ وقوع أحداث سبتمبر 2001 حشدت الأجهزة الأمنية الأميركية كافة قواها ومواردها لشن حملة على «الإرهاب» داخلياً وخارجياً.. لكن انتقالات الحملة منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، تثبت أنها وضعت وتنفذ بدوافع عنصرية.

وبينما يشير تقرير اللجنة الدولية إلى أن الولايات المتحدة سبق أن وقعت على المعاهدة الدولية للقضاء على التفرقة العنصرية في عام 1994، إلا أن التقرير ينبهنا أيضاً إلى أن واشنطن لم تطبق هذه المعاهدة بالكامل حتى الآن.

لقد باتت التفرقة على أسس دينية أو عرقية مرتكزاً رئيسياً لممارسات السلطة الأميركية في الخارج كما في الداخل، فشن الحروب العدوانية يستهدف دولاً إسلامية، والملاحقات الأمنية بما في ذلك إنشاء سجون خارجية للتعذيب المنهجي، لا تطال سوى جماعات وأفراد عرباً ومسلمين. ولعل أبرز شاهد هو معسكر غوانتانامو.. فهو معتقل عنصري بنسبة مئة في المئة.

وفي هذا السياق يحدثنا تقرير اللجنة الدولية أيضاً عن المواطنين الأميركيين السود الذين «لا يزالون يعانون من التفرقة العنصرية في جميع مجالات الحياة العامة، بدءاً بالتعليم ومروراً بالإسكان والرعاية الصحية ووصولاً إلى المعاملة القضائية».

بالطبع يعاني الملونون الأميركيون أيضاً من التمييز في العلاقة مع البيض على المستوى الاجتماعي. وفي هذا الصدد ليس من الإنصاف تحميل المسؤولية على مؤسسة السلطة وأجهزتها، إذ ليس بوسعها مثلاً أن تجبر فتاة بيضاء على الزواج من شاب ملون. ولكن ماذا عن التمييز الذي تمارسه الأجهزة الرسمية نفسها؟

هنا يقول لنا التقرير الدولي إن الأقليات داخل الولايات المتحدة تتركز بشكل كبير في أحياء فقيرة، حيث المساكن متواضعة وفرص العمل محدودة والحصول على الرعاية الصحية غير مناسب والمدارس فقيرة.. وحيث يخيم العنف والجريمة، وبالإضافة إلى ذلك يندد التقرير بالقسوة التي تتعامل بها الشرطة مع أبناء الأقليات.

يقودنا هذا كله إلى التساؤل بشأن جوهر النظام الديمقراطي المطبق في الولايات المتحدة مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون؟

أجل.. يتمتع الناس ـ كل الناس ـ في المجتمع الأميركي بحرية الاختيار عبر صناديق الاقتراع.

لكن الاقتراع وسيلة، وليس غاية في حد ذاته.