ترحيل الاستحقاق الرئاسي في لبنان صار الوسيلة الوحيدة المتاحة؛ للتعايش مع الأزمة المستعصية والمستبدة بالبلد منذ أواخر نوفمبر الماضي. اليوم فات الموعد المؤجل للمرة 15 لانتخاب رئيس جمهورية جديد. ومرة أخرى تحدد موعد لاحق. لعبة مراهنة على عامل الزمن نجحت حتى الآن في نقل الوضع الهش بسلام بين محطة وأخرى. قدرت مع عوامل ثانية على إبقاء الأمل حيّاً بإمكان انتخاب رئيس في الموعد القادم. لكن هدوء فوق السطح لا يعكس ما يعتمل تحته.

أو على الأقل لا يضمن مواصلة الرهان على هذه الورقة. فإذا كان «استمرار الحال من المحال»، خاصة عندما تكون هذه الحال من الصنف المعروف الذي تنتمي إليه الأزمة اللبنانية؛ عندئذ يصبح التعويل أو الركون، على هذا الخيار؛ مجازفة مشحونة بالمخاطر والمحاذير. يضاف إلى ذلك أن ظروف المنطقة المعلومة وتشابكها مع الأزمة اللبنانية تزيد من تفاقم هذه الأخيرة ومن سرعة عطبها.

ثم أن التأجيل المكرر جعل منه أو يكاد أشبه بعملية نهش للآمال؛ وبما يوسّع من رقعة التسلل لأجواء اليأس بحيث يزداد انكشاف الساحة اللبنانية وتضعف حصانتها الذاتية؛ التي حالت حتى الآن دون الانزلاق نحو الهاوية.

لا شك أن لعبة شراء الوقت اضطرارية. فرضتها ظروف ومعادلات متشابكة ومعقدة محلية وإقليمية، صارت الحالة رهينة لهذه التركيبة المتداخلة، ومعها دخل البلد في عنق الزجاجة، وكان من الملاحظ أنه بقدر ما يطول أمد هذا المأزق، بقدر ما تتزايد العوائق وبالتالي يتزايد الانسداد. كان من المأمول أن يساهم اقتراب موعد القمة العربية في حلحلة العقد بالقدر الذي يفسح في المجال لانتخاب الرئيس.. ضرورة تمثيل لبنان برئيس في قمة دمشق وسّع فسحة التفاؤل بالحل.

والذي حصل أنه مع هذا الاقتراب تعقدت الأمور أكثر وتعرقلت المساعي التي لم تبق جهة إلاّ وشاركت فيها. الاعتقاد المتداول يفيد أن الجمود يعود في أساسه إلى أسباب فوق قدرة الأطراف اللبنانية، حسابات وعناصر برّانية باتت هي الرقم الصعب في المشكلة، ولكن بصرف النظر عن مدى تحكّم هذه العوامل بالساحة وانسداداتها، تبقى هناك حقيقتان لا تقبلان الجدل: 1 ـ أن الأزمة تعني مباشرة لبنان واللبنانيين أولاً وأخيراً. مصير البلد على المحك؛ وبالتالي مصير أهله.

2 ـ أن مفتاح الحل لا بدّ وأن تستعمله أياد لبنانية في آخر المطاف. ومن هنا مسؤولية الأطراف اللبنانية. وهي مسؤولية تاريخية تقتضي صحوة طال انتظارها، تؤدي إلى مراجعات تقود باتجاه الاستدارة نحو الإمساك بهذا المفتاح قبل فوات الأوان. وبالتحديد قبل حلول موعد القمة أواخر الجاري. فلو مرّ هذا الحدث من دون أن يكون للبنان رئيس؛ عندئذ قد ينتقل البلد، أو يصبح مهدّداً بالانتقال، من طور أزمة عنق الزجاجة إلى طور التآكل المتزايد والسريع للمتبقي من مؤسساته؛ مع كل ما يتوالد عن ذلك من أخطار أمنية وسياسية واقتصادية قاتلة.

أصوات لبنانية وعربية متكاثرة، مؤخراً ـ والتي كان بعضها لا يغادره التفاؤل ـ تعلو تحذيراتها من الاستمرار في المعاندة؛ وبالتالي من إطالة أمد الأزمة، صيحة ليس فيها شيء من المبالغة ولا التهويل. صيحة على اللبنانيين الإصغاء وبسرعة، لها ولمقتضياتها، التي لم تعد تحتمل التجاهل.