في احتفال كبير جرى في المقاطعة امس، بمناسبة يوم المرأة العالمي، اكد الرئيس محمود عباس تمسك السلطة بخيار السلام رغم كل الظروف ورغم كل المعيقات وهي كلها اسرائيلية.

والظروف التي تحدث عنها الرئيس معروفة، وتبتدئ بالاستيطان الذي لم يتوقف وبرفض الانسحاب من الاراضي المحتلة عام 1967 والممارسات الاسرائيلية سواء ضد الاهل في قطاع غزة او في مختلف انحاء الضفة الغربية، من اغتيالات واجتياحات واعتقالات، وحواجز لا عد لها ولا حصر واغلاق للمناطق الفلسطينية ومضايقات لا تنتهي، وغير ذلك.

لقد تبادلت منظمة التحرير واسرائيل الاعتراف الواحدة بالاخرى، واكثر من ذلك فقد جرى تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني خلال اجتماع طارئ في غزة حضره في حينه الرئيس الاميركي كلينتون، وذلك ليتوافق مع اتفاق الاعتراف المتبادل، وتم حذف بنود طالبت اسرائيل بحذفها.

كما قدمت الدول العربية مبادرة تاريخية للسلام عام 2002 خلال قمة بيروت واعادت التأكيد عليها قبل نحو عام في قمة الرياض، وايدتها منظمة المؤتمر الاسلامي وصار عدد الدول المؤيدة لها وللسلام والتطبيع مع اسرائيل نحو 57 دولة، ورغم كل هذه المواقف والمبادرات والنوايا الحسنة، واصلت اسرائيل الرفض وتمسكت باطماعها التوسعية واهملت كل شيء واصرت على المفاوضات فقط وكأن هذه المفاوضات صارت هدفا، لانها مستمرة منذ سنوات دون تحقيق اية خطوة الى الأمام.

واليوم، يكرر الرئيس ابو مازن تمسكه بخيار السلام، او الامساك بالجمر، رغم كل هذه الظروف، واخرها المجزرة ضد الاهل في القطاع، وهذا موقف يتطلب شجاعة غير عادية، لأن اسرائيل جعلت من الحديث عن السلام او التفاوض حوله، مجرد اضاعة للوقت، او استغلالا للوقت من اجل خلق وقائع جديدة على الارض.

ويبدو من حديث الرئيس انه مقتنع تماما بهذا الخيار، ولذلك فهو يدعو الى تهيئة الظروف المناسبة او تحقيق التهدئة الشاملة خاصة في ما يتعلق بقطاع غزة، ويعلن ان المساعي المصرية مع حركتي حماس والجهاد، في هذا المجال، تجيء بدفع من السلطة وتأييدها، كما يكرر القول ان المطلوب هو وقف اطلاق الصواريخ من غزة التي تتذرع بها اسرائيل لارتكاب المجازر هناك، مقابل وقف هذه الهجمات الاسرائيلية.

الغريب في الامر، ان الولايات المتحدة ما تزال تصر هي الاخرى على ان بالامكان تحقيق حل الدولتين في ما تبقى من هذه السنة، اي قبل انتهاء ولاية الرئيس بوش. وقد كررت هذا القول الوزيرة كونداليزا رايس خلال زيارتها العاجلة الاخيرة الى المنطقة، في ذروة المجزرة ضد غزة ويوم ان اوقف الرئيس ابو مازن المفاوضات الى حين وقف العدوان.

وقد اطمأنت رايس الى استئناف المفاوضات، وخلال هذا الاسبوع كما يقول مسؤول فلسطيني كبير، لكنها لم تقدم اية ضمانات او وعود بممارسة الضغوط اللازمة لتحقيق هذا الحل الموعود الذي نادى به بوش.

هذه التناقضات في المواقف تحتمل احد تفسيرين لا ثالث لهما: اما ان هناك اشياء او وعودا او مواقف سرية غير معلنة، او ان الامر لا يتعدى الاستمرار بالاستخفاف بعقول ومطالب الشعب الفلسطيني، والسير على الطريق المغلق ذاته الذي لن يؤدي الى اي حل.