يقف الفلسطينيون أمام حقيقتين تاريخيتين لا بد من التعامل معهما بواقعية من خلال تثبيتهما كما هما دون رتوش أو تزيينات تعرض قضيتهم للانحراف عن مسارها المحوري السليم.
الحقيقة الأولى تتعلق بثلاثية حقوقهم الوطنية التاريخية ـ حق العودة وتقرير المصير وبناء الدولة ـ والتي تعرجت وتلوت وأخذت أشكالاً أخرى عديدة أخرجتها عن سكة الواقع السياسي المعاش على الأرض والذي يمثل الحقيقة الأساسية الثانية في مجمل القضية الفلسطينية وفي مختلف المراحل التي مرت بها. الحقيقة الثانية تقول وبوضوح شديد إن الدولة العبرية تشن حربا تاريخية لا هوادة فيها ضد الفلسطينيين وأشقائهم العرب.
من الوهلة الأولى، قد تغدو الحقيقة الثانية من المفردات السياسية البديهية في الصراع العربي ـ الصهيوني، لكن الأمر ليس كذلك البتة، فهناك آلة إعلامية ضخمة تعمل في المنطقة والعالم ليل نهار على تشويهها ووضعها في قالب يظهرها للعالم على عكس ما هي عليه في واقع قوامه لحم ودم ومشاعر أفراد حقيقيين يولدون ويتزاوجون ويربون أطفالهم ويحاولون صنع مستقبل لهم أيضا.
إذا كان الفلسطينيون وأشقائهم العرب يختلفون فيما بينهم حول مسائل مثل طبيعة السلطة الفلسطينية المنتهية الصلاحية وحكوماتها الصورية العرجاء، فإننا لا نخالهم سيختلفون على حقيقة أنهم قابعون تحت الاحتلال وأن حربا فرضت عليهم منذ عقود مضطرون للتعامل معها بصيغ تأرجحت بين المواجهات العسكرية والمفاوضات السياسية التي لم تبدل من واقع الحرب شيئا.
في حين تمكنت تلك الآلة الإعلامية الضخمة من التلاعب بالرأي العام العالمي وجعلته يصدق أن الدولة العبرية تخوض مواجهات مع عدد من المتمردين الإرهابيين الذين شرعت قتلهم والتنكيل بهم وفق ما يقتضيه المزاج العنصري الصهيوني. هنا تصاب القضية الفلسطينية بمقتل، مما يفرض على أبنائها مهمة إستراتيجية تاريخية تتعلق بالعمل على دفع المجتمع الدولي بمحافله الرسمية والأهلية إلى تبني التوصيف الصحيح لقضيتهم .
وهذا التوصيف يجب ألا يخرج بأي حال من الأحوال عن جوهر القضية برمتها وهو الحرب وليس غير الحرب. فهذه هي المفردة الوحيدة التي بوسعها أن تعكس واقع الحال في شرق المتوسط وبدونها ستبقى تلك الآلة الإعلامية تفعل فعلها وتصور القاتل في موقع الضحية وهذه في موقع القاتل.
كما أن هذه المهمة الملقاة على عاتق الفلسطينيين ومؤسساتهم تفرض عليهم طرح توصيف الحرب هذا كشعار مرحلة سياسية قائمة بذاتها بات من المؤكد، وفق المعطيات المتوفرة على الأرض، أنها ستطول إلى إشعار آخر. وليطمأن الفلسطينيون لسلامة هذا الطرح لما يوفره لهم من غطاء سياسي وإنساني إن لم يتمكن من تصحيح معادلة الجلاد والضحية المعكوسة، فإنه قد يساوي بينهما،على أقل تقدير، في ميادين عدة وفي مقدمتها المساواة في الدم واعتبار كل من يسقط في هذه الحرب ضحية.
على الرغم من أن دماء أطفال غزة ودموع ذويهم تطغى على المشهد العام في شرق المتوسط في هذه الأيام، إلا أن المجتمع الدولي عموما والولايات المتحدة خصوصا لم يريا في هذا الواقع مسوغا لإدانة العدوان الإسرائيلي السافر على الأراضي الفلسطينية لا بل إنهما راحا يماطلان في عقد جلسة لمجلس الأمن تناقش معاناة أبناء غزة تحت القصف البري والجوي والبحري وأمام التوغل البري لجيش الاحتلال.
بينما يختلف المشهد على الجانب الآخر من الصورة عندما يتعلق الأمر ببعض الضربات النادرة التي يوجهها الفلسطينيون لأهداف إسرائيلية، فما كادت تسمع طلقات الفدائي الفلسطيني الذي هاجم منذ أيام مقر صنع غلاة اللاهوتيين الفاشيين اليهود حتى علت الأصوات المنددة من كل حدب وصوب وراحت تنادي بعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن.
يتعين على الفلسطينيين الوصول بتوصيف حالة المواجهة التي يخوضونها مع الاحتلال إلى اعتبارها حربا حقيقية من الطراز الأول وإيقاف القضية الفلسطينية على قدميها على طريق إعادة المعادلة إلى وضعها الطبيعي، وإلا، فإن الدم الفلسطيني سيبقى مهدورا ورخيصا ومدانا والدم اليهودي مقدسا محرما على الجميع ويتوجب على الجميع حقنه وإدانة من يحاول المساس به.
وعوضا عن المطالبة بإحقاق الحقوق التاريخية في هذه المرحلة، يتعين على الفلسطينيين وضع العالم أمام حقيقة هذه الحرب وما تجلبه عليهم من قتل وتدمير ودموع ومعناة. وقبل الخوض في الموضوعات الكبرى المتعلقة بالحقوق الثابتة، لا بد أولا من نزع توصيف المجتمع المدني المصطنع عن الكيان اليهودي، لأن الوقائع تشير إلى أنه ليس كذلك على الإطلاق وأنه مجتمع عسكري من الدرجة الأولى وأن أي من مكوناته السياسية أو الاقتصادية أو السكانية تشكل جزءا لا يتجزأ من القوة العسكرية المتفوقة التي يقوم عليها المشروع الصهيوني.
وعلى كل من يرغب في رفع ولو جانب من الظلم الواقع على أناس يعيشون تحت مقصلة احتلال فريد من نوعه أن يصب جهوده في هذه الحرب الإعلامية وأن يضخ إمكانياته في ماكينة إعلامية مضادة توضح أن ما يجري في شرق المتوسط هو الحرب حتى تستقيم الأمور ويصبح لأي كلام في هذا السياق معنى.