هكذا هم الكبار، يمروّن بالحياة الدنيا مسرعين إلى حيث الإقامة الأبدية الخالدة، وفي مرورهم السريع هذا، يعطون الكثير والكبير، غير أنهم لا يأخذون شيئاً من فتاتها، فهم ليسوا في حاجة إلى أي شيء، بل الحاجات هي التي تبقى في حاجة إليهم، لأنهم كبار قادرون على الحمل والتحمل، هم ينظرون إلى البعيد الشاهق، شأنهم شأن الصقور التي تتخذ من القمم العالية أوكاراً لها، لمنعتها وأنفتها من النزول إلى مستوى البغاث، وصدق من قال:

إذا غامرت في شرف مروم

فلا تقنع بما دون النجوم

وفقيدنا الربعي هو من ذلك الصنف، صنف الكبار، ورغم أنه لم يعش الحياة بطولها، فإنه عاشها بعرضها بكل تفاصيلها، وهو عندما رحل وواراه الثرى، ترك لنا موروثاً نفيساً، ألا وهو الفكر النير، الذي لن تقدر الأيام على إطفاء جذوته، لأنه يستمد وقوده من الثوابت لا الأوهام والخرافات.

في أول يوم للغزو الصدّامي لدولة الكويت الشقيقة، صادف وجوده في دبي، وفي ذلك اليوم تناولت معه الغداء بمنزلي ب(جميرا)، لقد اصطحبه إليّ مشكوراً الأخ الدكتور خليفة بن محمد بن علي بن بخيت الفلاسي، وزير الدولة الحالي، لقد سمعت عنه عندما كان مطارداً في جبال صلالة وشعابها.

حيث وجهت له تهمة الانتساب إلى جبهة تحرير ظفار الشيوعية، في بداية الستينات مع مجموعة من شباب منطقة الخليج العربي، لقد كان أحمد الربعي رحمه الله من أنشط أفراد تلك المجموعة، وقد أثبت ذلك في انتسابه لاحقاً إلى منظمة التحرير الفلسطينية، إذ قام بعدة عمليات بعضها ضد الاحتلال الصهيوني، وعندما انقطع عن النشاط الثوري العملي ـ إذا صح التعبير ـ توجه إلى جامعة هارفارد المشهورة ليحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية.

وليعود بعدها أكثر نشاطاً وتحركاً، لكنه هذه المرة يعود إلى وطنه الكويت ليدخل الحياة النيابية فارس الحجة والمنطق، والطرح الليبرالي الصريح، ما أغضب الجماعة السلفية التي كادت له عندما أصبح وزيراً للتربية والتعليم، فخرج من الحكومة على إثر مساءلة برلمانية نصبتها له تلك المجموعة، لكن الفارس يظل فارساً، ويأبى الاستسلام لليأس والإحباط، مهما كانت الظروف، فعاد شاهراً قلمه، يكتب به آيات من الحجج والبراهين، ضد الغلاة خاصة، ومن لف لفهم من الرجعيين الذين لا يرون في الحياة إلا العتمة!

وعلى صفحات جريدة الشرق الأوسط الغراء كنت ألتقي بأبي قتيبة مرة في الأسبوع في عرينه المخصص له.

عندما كان يزور دبي، بين الفينة والأخرى، يطيب له تناول العشاء خاصة، في منتجع شاطئ جميرا، وهناك على ضفاف الشاطئ الفضي، لاسيما في الليالي المقمرة، كنت ألتقي به مع كوكبة من الأصدقاء، حيث كانت تدور المساجلات حول قضايا العرب الساخنة وما أكثرها، ولكن أبا قتيبة سرعان ما يحول الحديث الساخن إلى حديث رومانسي يشاركه فيه شاعره المفضل أبو الطيب المتنبي، لقد كان رحمه الله حافظاً للكثير من حكم وأمثال هذا الشاعر الفذ، وهو يصفه بالشاعر الحيّ بيننا، وسيبقى مع الأجيال تلو الأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

رحم الله أبا قتيبة، لقد كان علماً من أعلام هذه المنطقة، لقد كان ثائراً مع الثوار، وطالباً مع الطلاب وما لبث أن أصبح أستاذاً جامعياً يدرس الفلسفة الإسلامية، ثم برلمانياً قوي المعارضة، فوزيراً للتربية والتعليم، لكنه بعد أن ترك خلفه كل ماذكر، وعاد سيرته الأولى بلا ألقاب، احتفظ بالشيء الذي أحبه واستهواه، إنه الفكر الذي بقي يسيل به قلمه الثرّ، ذلك الفكر الليبرالي المتحرر، النافذ إلى صميم الحقيقة والواقع، المؤمن بقدرة الإنسان العربي على اللحاق بركب الحضارة والتمّدن مهما حاول المتقهقرون القبوريون ثني هذا الإنسان عن مسار الإنسانية الطبيعي.

وأخيراً:

يُدفّنُ بعضُنا بعضاً وتمشى

أواخرُنا على هامِ الأوالي

كاتب إماراتي