عندما يطل رجال الإدارة الأميركية الحالية فيما تبقى من الوقت الضائع من نافذة البيت الأبيض جنوبا على أميركا اللاتينية التي يعتبرونها بمثابة فنائهم الخلفي فإنهم يجدون الوضع ليس بأفضل مما يواجهونه في الداخل الأميركي. وتتعامل السياسة الخارجية الأميركية مع الأزمة الناشئة في وسط القارة الأميركية بنفس نزعة التطرف التي تتعامل بها مع الأوضاع في أنحاء العالم. لكن الحروب الكبرى تبدأ عادة بنزاعات محلية ليست كبيرة.
في الأول من مارس شن الجيش الكولومبي هجوما ضد قوات الثوار الكولومبيين المتواجدة في الأراضي الإكوادورية قرب الحدود في الوقت الذي كانت تجري بين البلدين مفاوضات بهذا الشأن. خلال الغارة قتل حوالي 20 مقاتلا من الثوار الكولومبيين بمن فيهم زعيم المنظمة راؤول رييس. فهل يعتبر ذلك من وجهة نظر القانون الدولي عملا احترازيا مشروعا ضد هجوم محتمل من قبل الثوار الكولومبيين كما تدعي السلطات الكولومبية ؟
الواقع أنه مهما سيق من حجج فالحق في الدفاع الذاتي قد حدده بوضوح ميثاق الأمم المتحدة في مادته 51، وكذلك المادة 22 من ميثاق منظمة دول أميركا اللاتينية ذاتها. فهما تنصان على هذا الحق كرد على هجوم مسلح تقوم به دولة أخرى ويقتضي ردا فوريا من قبل الدولة الضحية بالقدر الذي يتناسب وحجم العدوان. وهو الأمر الذي لم يحدث في مثل هذه الحالة.
حيث لم تقم الإكوادور بهجوم مسلح ضد كولومبيا. كما تنص الشرعة الدولية على أنه حتى في حال تعرض دولة ما للعدوان فقبل استخدام حق الرد يجب أن تشعر الدولة المعتدى عليها مجلس الأمن الدولي بحدوثه. وفي حالة لم يبد مجلس الأمن أي رد فعل فإنه بعد ذلك فقط يمكن للدولة المعتدى عليها أن ترد بمفردها. وهذا أيضا لم يحصل. كذلك اعترف الرئيس الكولومبي ألفارو أوريبي بأنه كان يتعين عليه أن يشعر نظيره الإكوادوري روفائيل كورييا بنية هجومه على الثوار، لكنه لم يفعل ذلك خشية أن تفشل العملية كما قال.
غير أن الأزمة تطورت سريعا ليس في داخل كولومبيا وحدها، بل وفي وسط ومجمل القارة الأميركية اللاتينية. فعلى إثر العملية قام الثوار الكولومبيون بتفجير خطوط أنابيب النفط بين الإكوادور وكولومبيا في جنوب غربي البلاد. وبدورها قامت القوات الكولومبية بعملية عسكرية في المنطقة الجبلية من محافظة كالداس غرب البلاد قتلت فيها قائدا آخر من القياديين السبعة للثوار إيفان ريوس (اسمه الحقيقي خوسيه خوفينال فيلانديا). وكانت الولايات المتحدة قد رصدت 5 ملايين دولار مقابل القبض عليه. وهكذا حل الصراع الدموي من جديد بدل عمليات التفاوض التي كانت قد بدأت.
وفور العملية العدوانية على أراضي الإكوادور سارعت أميركا إلى مطالبة كولومبيا بتقديم الوثائق التي ادعت الأخيرة الحصول عليها من الحاسوب الشخصي التابع لراؤول بريميس ثاني رجل في قيادة الثوار الكولومبيين تثبت أن الرئيس الإكوادوري روفائيل كورييا على علاقة بهم.
وبالمقابل قال سفير الإكوادور لدى موسكو باتريسيو ألبرتو شافيز في مقابلة تلفزيونية مع ريا نوفوستي أن بلاده ستطلب من روسيا كإحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي المشاركة في تمحيص هذه الوثائق، وأكد على أهمية الموقف الروسي في الحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة أميركا الوسطى، لتأخذ القضية بعدا عالميا أكبر.
وزير الدفاع الكولومبي هو الآخر دفع بالأزمة إلى مدى إقليميا أبعد حين اتهم الرئيس الفنزويلي شافيز بتشجيع الرئيس الإكوادوري ليتصرف بعداء تجاه كولومبيا. فنزويلا والإكوادور اللتان استشعرتا خطر النوايا الأميركية تجاههما شددتا الرقابة على الحركة عبر الحدود مع كولومبيا. وقد تأثر بذلك الكثير من الكولومبيين الذين يعبرون إلى فنزويلا يوميا للكسب والتزود بالوقود.
وإذا استمر هذا الوضع طويلا بين البلدين اللذين يبلغ حجم تبادلهما التجاري ستة مليارات دولار سنويا فإن الآثار المالية ستكون وخيمة على الاقتصاد الكولومبي. وقام البلدان بحشد قوات تزيد على 12 ألف جندي على حدودهما مع كولومبيا. وانضمت نيكاراغوا إليهما سياسيا بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع كولومبيا.
ويكاد لا يترك هذا العدوان أحدا في المنطقة بلا مبالاة. فالعاصمة الأرجنتينية بونيس آيريس شهدت تظاهرات كبيرة تطالب بقطع العلاقات مع كولومبيا. وربما يدفع ذلك بالأرجنتين إلى أن تفعل ذلك. الرئيس البرازيلي وصف كولومبيا بالمعتدية. وعرضت إسبانيا وساطتها في تسوية الأزمة بين مستعمراتها السابقة. الرئيسة الأرجنتينية كريستينا فرنانديس دي كيرشنير التقت الرئيس الفنزويلي شافيز لتبحث معه الأزمة الكولومبية - الإكوادورية والحفاظ على السلم في المنطقة.
أما منظمة بلدان أميركا اللاتينية فقد أقرت في اجتماعها في واشنطن بأن كولومبيا انتهكت بفظاظة سيادة الإكوادور ووحدة أراضيه، وشكلت لجنة خاصة من الأرجنتين، البرازيل، بنما، بيرو وجزر البهاما برئاسة الأمين العام للمنظمة خوسيه ميجيل إينسولسا للعمل على تسوية الأزمة. وقد أصبحت الأزمة المتصاعدة المسألة المركزية في قمة دول مجموعة ريو المنعقدة في العاصمة الدومينكانية سانتو دومينغو والتي تضم 22 بلدا لاتينيا أميركيا.
اضطرت هذه التطورات وزير الدفاع الكولومبي خوان مانويل سانتوس لتقديم الاعتذار للإكوادور. غير أن الأخيرة اعتبرت ذلك غير كاف. وطالبت بإدانة حقيقة انتهاك حرمة وحدة تراب وسيادة الإكوادور، الاعتذار غير الكامل وغير المشروط أمام المجتمع الدولي والتعهد بعدم الهجوم على أية دولة أخرى وبالتراجع عن كل التهم التي توجهها كولومبيا.
غير أن الولايات المتحدة تشجع استمرار كولومبيا في أعمالها العدائية بأشكال مختلفة. فقد عبر الرئيس بوش لنظيره الكولومبي عن دعمه الكامل ضد أي عدوان قد يهز الاستقرار في المنطقة. مايكل رادو، رئيس مركز الإرهاب ومكافحة الإرهاب في معهد فيلادلفيا لأبحاث السياسات الخارجية يقارن بين قوتي فنزويلا وكولومبيا ليخلص إلى أن كولومبيا تمتلك تفوقا على فنزويلا في كل شيء عدا قوات الجو. لكن حاملة طائرات أميركية واحدة كفيلة بأن تحول سلاحي الطيران والدبابات الفنزويلية إلى لا شيء. فيما عدا ذلك تستطيع كولومبيا تدبر أمرها.
لكن رادو نفسه يشير إلى أن الإدارة الأميركية ليست في وضع يسمح لها بفعل شيء جدي عمليا في الفترة المتبقية لها. كل ما تستطيع فعله هو إرسال مساعدات إنسانية عاجلة لسكان كولومبيا. هذه الإيحاءات بتناقضاتها لا تزيل التساؤل حول النوايا الأميركية بإشعال بؤرة توتر جديدة في خاصرتها هذه المرة.
كاتب بحريني
