خبران في يوم واحد، تم نشرهما الأسبوع الماضي، يفرض الربط بينهما نفسه رغم إيجابية الخبر الأول وسلبية الخبر الثاني، لكنهما في المجمل يشكلان وجهين لقضية واحدة تهمنا جميعاً، لأنها تصب في صلب عملية بناء الإنسان التي تسعى الدولة إلى توفير كل عناصر النجاح لها، والدفع بها إلى الأمام كما أكدت في أكثر من مناسبة قيادتنا العليا ممثلة في صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

هذا الربط ضروري لأنه يجمع بين تطلعات القيادة الطموحة وواقع الميدان الذي لا يساعد على تحقيق هذه التطلعات إذا استمر على حاله ولم تتم معالجة مشاكله لردم الهوة القائمة بين الواقع والطموح.

يقول الخبر الأول إن الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة التقى بمعالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم وفريق العمل بلجنة التخطيط والسياسات بالوزارة، واطّلع سموه على الخطط التطويرية لمجالات عمل الوزارة، واستمع إلى عرض شامل لمبادرات الخطة الإستراتيجية للوزارة، والمنبثقة من الخطة الإستراتيجية للحكومة الاتحادية.

والتي تنتهج رسالة تتولى خلالها الوزارة مهام التخطيط والتنفيذ والمتابعة والإشراف الذي يؤدي إلى نظام تعليمي متكامل ومتطور، يجمع الطلاب والمدارس وأولياء الأمور في منظومة متآلفة تحقق أعلى مستويات الأداء التربوي، وعلى نحو يعمق روح المسؤولية على المستويات كافة، وينمي الالتزام بخدمة المجتمع.

وجاء في الخبر أن سموه اطّلع أيضا على سياسات وأنظمة الموارد البشرية بالوزارة، والرامية إلى تطوير أساليبها للمساهمة في تحسين الأداء النوعي للهيئات التربوية العاملة في النظام التعليمي، وكذلك خطط تطوير وتحسين المباني والمرافق المدرسية، ودعمها بالتجهيزات والوسائل المتوافقة مع المعايير التعليمية الحديثة.

وتعرّف سموه على برامج التطوير المهني للعاملين الهادفة إلى رفع مستوى الأداء على كل المستويات لجميع العناصر العاملة في الحقل التربوي والتعليمي.

معالي وزير التربية والتعليم أوضح - كما جاء في سياق الخبر - أن خطط الوزارة تقوم على رؤية تهدف إلى بناء منظومة تعليمية تتوافق مع أفضل المعايير التربوية العالمية، وتُعِدُّ الطالب لحياة ثرية ومنتجة، وتنمي لديه القدرة على التعليم المستمر والتعامل مع معطيات العصر، وتساهم في تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع.

كلام جميل يرقى إلى مستوى الطموح الذي نشترك فيه جميعا، لكن الخبر الثاني المنشور على بُعد ثلاث صفحات فقط من الخبر الأول وفي الجريدة نفسها يصور لنا حجم الهوة التي تفصل بين الواقع والطموح، فهو يتحدث عن اعتذار أكثر من 360 معلماً ومعلمة (من غير المواطنين) المرشحين للعمل بوظائف التدريس للعام الدراسي المقبل 2008/2009 في أبوظبي عن حضور المقابلات والامتحان الشفهي المخصص لهم.

وفي تفاصيل الخبر يقول مدير منطقة أبوظبي التعليمية إن المنطقة تلقت أكثر من 670 طلب ترشيح من معلمين ومعلمات غير مواطنين في مختلف التخصصات الدراسية، وبعد التدقيق في أوراقهم الثبوتية والشهادات الأكاديمية والمهنية تم تحديد موعد المقابلات والاختبار الشفهي خلال الفترة من 24 فبراير الماضي وحتى الخامس من مارس الحالي. وكانت المفاجأة أن نسبة الذين حضروا هذه المقابلات كانت حوالي 50% من عدد المتقدمين لهذه الوظائف، في حين اعتذر الباقون عن حضور المقابلات الشخصية التي من المفترض أن تؤهلهم للعمل في وزارة التربية والتعليم العام المقبل.

هذا التناقض بين الأهداف الكبيرة التي نطمح لها ونتطلع إلى تحقيقها في مجال التعليم وبين الواقع الذي يعيشه الميدان يدفعنا إلى تلمس مواقع الخلل والبحث عن الأسباب التي تجعل من هذا القطاع بيئة طاردة للباحثين عن عمل بعد أن كانت هذه المهنة جاذبة للمواطنين وغير المواطنين على مدى السنوات الماضية.

في تعقيبه على ما حدث في منطقة أبوظبي التعليمية اعتبر رئيس قسم الشؤون الإدارية بالمنطقة هذه الحالة غريبة، خاصة من جانب المرشحين والمرشحات غير المواطنين، إذ ظل العمل في وزارة التربية والتعليم يتصدر الاهتمامات الوظيفية لأعداد كبيرة من المقيمين في الدولة، وخاصة أبناء الجنسيات العربية. وعزا هذا العزوف عن وظائف التدريس إلى عدد من الاعتبارات؛ في مقدمتها استمرار تدني مكانة المعلم في المجتمع، وضعف المخصصات المالية والتقدير المعنوي له، ووجود بدائل وظيفية أخرى كثيرة أمام المرشحين والمرشحات للتدريس مما يدفعهم للعمل بعيدا عن هذه المهنة السامية.

ربما تتفقون معي على أننا لن نكون أكثر صراحة ولا شفافية من رئيس قسم الشؤون الإدارية بمنطقة أبوظبي التعليمية الذي وضع يده على الجرح، واختصر لنا الطريق، وحصر أسباب العزوف عن وظائف التدريس في نقاط ثلاث، نعتقد أن معالجتها ستوفر علينا الكثير من الجهد والوقت إذا أردنا أن نقوّم اعوجاج ضلع مهم من أضلاع المثلث التعليمي المتعارف عليه (المعلم والمتعلم والمنهج).

مكانة المعلم في المجتمع عامل مهم من عوامل نجاحه في القيام بدوره كمربٍ قبل أن يكون معلما، وكقدوة لطلابه قبل أن يكون موظفا يتقاضى راتبا آخر الشهر. هذه المكانة يلعب الدور الرئيسي في إعادتها إلى ما كانت عليه طرفان:

الطرف الأول هو البيت الذي يجب أن يغرس في نفوس أبنائه احترام المعلم وتقديره، والتعامل معه كأب إذا كان مدرِّسا، وكأم إذا كانت مدرِّسة، وعدم الوقوف دائما في صف الأبناء حتى لو رأى أولياء الأمور أحيانا أن المعلم على خطأ، كي لا تهتز صورة المعلم أمام طلابه، فعندما تهتز صورة المعلم في عين الطالب لا يعود له ذلك الدور التربوي الذي من المفترض أن يضطلع به.

أما الطرف الثاني فيتمثل في الوزارة التي يجب أن تحفظ للمعلم هيبته أمام الطالب وولي الأمر. والحديث في هذا الموضوع يطول لكنه مرتبط بشكل أو بآخر بالتقدير المادي والمعنوي، حيث يشكل ضعف المخصصات المالية الذي أشار إليه رئيس قسم الشؤون الإدارية بمنطقة أبوظبي التعليمية عاملا مهما من العوامل الطاردة للعاملين في قطاع التعليم.

ونعتقد أن حل هذه الإشكالية في يد الوزارة وحدها، خاصة وأن معالي الوزير قد وعد المعلمين بتحسين أوضاعهم المادية منذ توليه الوزارة، وما زال المعلمون ينتظرون إنجاز وعد معالي الوزير، مع الإقرار بحق كل إنسان في أن يبحث لنفسه عن الفرص الأفضل في هذه الحياة، فباب التنافس لاستقطاب أكفأ العناصر في كل مكان مفتوح، والاختيار حق مشروع لجهات العمل والعاملين على حد سواء.

من يعيد لمهنة التعليم جاذبيتها التي فقدتها؟

سؤال يطرح نفسه بعد قراءة الخبرين اللذين يحلق بنا أولهما في سماء الطموح، بينما يشدنا الثاني إلى أرض الواقع، ويفتح الباب واسعا على كل علامات الاستفهام والتعجب، دون أن نفقد الأمل في إعادة الجاذبية لهذه المهنة التي كاد العاملون بها أن يكونوا رُسُلاً.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com