فجأة يطفو حديث «التهدئة» مع «حماس»، على السطح. الإدارة الأميركية متحمسة لها وتعطي «الضوء الأخضر» بخصوصها. الوزيرة رايس تريد أن تتولى «رعايتها». استعجلت إيفاد مساعدها، دافيد والش، إلى المنطقة، «لحث مصر» على بذل الجهود الممكنة واللازمة لتحقيق هذه التهدئة. ومصر منخرطة بهذه المهمة، من البداية. وفدان من غزة، في طريقهما غداً أو بعده إلى العريش؛ لمتابعة المباحثات مع الجانب المصري؛ في هذا الشأن.

الملفت في كل ذلك، هو الاهتمام الأميركي بالموضوع. الأمر الذي يقود مباشرة إلى السؤال: هل كان من الضروري أن تفتك إسرائيل بالقطاع وترتكب مجزرتها فيه، وهل كان على واشنطن ان تتأكد من أن التصعيد الإسرائيلي سيجابه بتصعيد مضاد وأن عملية القدس قد لا تكون الأخيرة، وذلك قبل أن تفطن أميركا إلى أهمية «التهدئة»؟ ثم ماذا بعد ذلك، لو تحقق؟

السوابق الأميركية لا تحمل على الاستبشار. ولا أيضاً ردّ الفعل الأميركي على «محرقة» إسرائيل الأخيرة؛ والتي لم تتردد في اعتبارها، أنها كانت مجرد رد فعل من جانب تل أبيب. ليس ذلك فحسب، بل إن الإدارة الأميركية عزفت وباستمرار حتى عن الغمز من قناة إسرائيل؛ طوال فترة التخريب المديد الذي مارسته على «عملية السلام»، بكل محطاتها. على الأقل منذ طرحت الإدارة مشروع «خريطة الطريق»؛ التي قدّمتها على أنها خطة واعدة، ترمي إلى تجسيد فكرة الدولتين.

إسرائيل عملت بصورة مبرمجة لنسف كل ما يمكن أن يؤدي إلى هذه النتيجة. رفعت من وتيرة سياسة الاغتيالات، شدّدت من قبضة الحصار، سرّعت ووسعت من عملية الاستيطان. راوغت وتملصت باستمرار، بخصوص المفاوضات. وبالتحديد بعد أنابوليس؛ الذي زعمت في أعقابه بأنها عازمة على بلوغ التسوية، مع السلطة الفلسطينية. لكن هذه الأخيرة لم تنل من حكومة أولمرت، غير الالتفاف والمراوحة؛ وبالتالي المزيد من الإحراج.

بالرغم من كل ذلك بقيت إدارة بوش تلوذ بالصمت. وأحياناً بالتبرير وتوفير الغطاء، للحكومة المتهربة جهاراً ونهاراً من التزامات السلام. بل من أدناها. وعندما بلغ الانفلات الدموي الإسرائيلي مداه الهمجي في غزة، رفضت الإدارة إدانته ولو بكلمة.

الآن يبدو أن واشنطن طلعت بنغمة جديدة. فهي تريد تبريد الوضع، ليعود الجانبان، الفلسطيني والإسرائيلي، إلى طاولة المفاوضات، وحتى لا تفرض القضية الفلسطينية نفسها على أجندة القمة العربية المقبلة على حساب الملف اللبناني ومحاولة أميركا عزل سوريا عربيا. والمصادر الفلسطينية تقول إن الإدارة الأميركية وعدت بأن تكون الطرف الثالث على الطاولة، كحكم. صيغة طالما سبق أن رفضتها إسرائيل في السابق. أيضاً كانت واشنطن ترفضها، بزعم أن القضايا الخلافية ينبغي أن تكون مادة للتفاوض بين الاثنين حصرا؛ من غير تدخل أو حتى مراقبة طرف ثالث. فماذا الذي حصل؟

المحك يبقى في حمل إسرائيل على الوفاء بالتزاماتها والكف عن مواصلة لعبة التدويخ؛ في المفاوضات. وعد واشنطن بالجلوس على الطاولة، لا يكفي. كما لا يكفي أن يتم التوصل إلى هدنة. لقد سبق لهدن كثيرة أن انهارت تحت وطأة عقم التفاوض. المطلوب أن تعطي المفاوضات غلّتها. وواشنطن مرة أخرى أمام الامتحان؛ وإن كان الماضي يشي مسبقاً بالنتيجة.