في خضم المحارق الإسرائيلية التي حولت أجساد الرضع إلى شواء، انغمس البعض في تحميل الصواريخ التي تطلقها المقاومة على المستوطنات الإسرائيلية، مسؤولية ما يجري، وتنطع البعض الآخر في الاستخفاف بما تحدثه تلك الصواريخ من نتائج اعتبروها هزيلة، مقابل رد فعل آلة القتل الإسرائيلية التي أزهقت أرواح أكثر من مئة شهيد ومئات الجرحى اغلبهم من الأطفال والشيوخ والنساء في غزة الذبيحة، ونسى هؤلاء أن تل أبيب لم تعدم ذريعة، لأعمال القتل والتشريد بحق ألفلسطينيين على مدار أكثر من نصف قرن.
أين كانت صواريخ حماس عندما ارتكبت إسرائيل مئات المجازر منذ زرعها برعاية غربية في قلب الجسد العربي فوق ارض فلسطين؟ وهل كانت صواريخ حماس موجودة عندما ارتكبت العصابات الصهيونية مجازر كفر قاسم ودير ياسين، ومرورا بجنين ومحارق غزة الحالية التي حولت مخيم جباليا إلى فرن كبير وقوده أجساد العزل من كل سلاح ؟! أين كانت صواريخ حماس عندما جرى حصار أبو عمار في المقاطعة قبل تسميمه؟
وهل كانت حماس ضالعة في مجزرة قانا في جنوب لبنان، وضرب تلاميذ مدارس (أبو زعبل) المصرية؟
يحاول البعض الهروب من تسمية الأشياء بأسمائها، فرارا من تحمل المسؤولية التاريخية عن مواجهة عدو لم يهدأ يوما عن ارتكاب المجازر، تلو المجازر، تحت ذرائع شتى، تارة الدفاع عن النفس وأخرى، لمنع «المخربين» من الوصول إلى أهدافهم، وثالثة بخوض حرب استباقية، لمنع الخطر المحدق بالكيان الصهيوني من جيران يتربصون به، وكلها حجج لتمرير مخطط الاستيلاء على ارض الغير بالقوة، والغاية طبعا في العرف الإسرائيلي تبرر الوسيلة.
لم يسأل بعض العرب الذين يحملون حماس ليل نهار مسؤولية الخراب المتعمد بغزة، هل لو توقف إطلاق الصواريخ البدائية أمام ترسانة تل أبيب الجبارة، يمكن أن نرى صمتا مقابلا لعمليات التوغل اليومية للأراضي ألفلسطينية ؟ وهل ستتوقف عمليات الحصار والتنكيل بالفلسطينيين؟
ممارسات المحتل منذ عام 1948 وحتى اليوم خير مرشد لما يمكن أن نتوقعه في الغد، فقد قامت إسرائيل ولن يكتب لها البقاء من دون تنشيط ازرعها العسكرية، وسفك المزيد من دماء الضحايا الذين يصر البعض على تحويلهم إلى جناة، فيما الجاني الحقيقي يجد للأسف من يخرج بيننا مبررا مجازره ومحارقه الهمجية.
إسرائيل يا سادة لن تكف عن اختلاق المبررات لقتل الفلسطينيين، طالما بقوا صامدين على أرضهم، مدافعين عن حقهم السليب، والسعي لانتزاع مكان لهم تحت الشمس التي خلقها الله، والأرض التي ولد عليها أجدادهم، وسيعيش عليها أحفادهم، ولن ترضى إسرائيل عن أي فلسطيني طالما بقي، متمسكا بحقوقه التاريخية في مواجهة مشروع يراد له أن يفرض فرضا بدعم أميركي مباشر، وتواطؤ غربي لا يخفى على احد.
ورأينا كيف أسرعت وزيرة الخارجية الأميركية إلى المنطقة لمباركة قتل الأطفال والنساء على الهواء مباشرة، ولم تر في ما تفعله تل أبيب سوى «دفاع مشروع» عن النفس ! وكان جل همها استئناف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، رغم علم الجميع أن تلك المفاوضات فارغة المضمون ولا تؤدي إلى نتائج، أمام التعنت الدائم للحكومة الإسرائيلية، التي لا ترى في تلك المفاوضات سوى فرصة لالتقاط الأنفاس، واستهلاك الوقت لتمرير أجندتها التي لا يحيد عنها أي مسؤول إسرائيلي أيا كان انتماؤه السياسي.
نحن أمام عملية خداع مستمرة، وللأسف أيضا لا يريد البعض التعلم، بالرهان على أوهام أن تمن علينا إسرائيل بالسلام، بعد أن فقد البعض إرادة مواجهة التحديات، وتحمل مسؤوليته تجاه ما يجري تحت الأنوف.