إنه لمن السذاجة والتسطيح الشديد للأمور القول إن زيارة الرئيس أحمدي نجاد لبغداد ما كانت لتتم بهذه السلاسة والنجاح لولا رغبة الأميركيين وتسهيلاتهم الأمنية ورعايتهم المبطنة، فلو كان هذا الأمر صحيحا لكان الأولى بهم أن يرتبوا مثل هذه الزيارة الناجحة لرئيسهم وكبار مسؤوليهم الأمنيين والعسكريين الذين كما يفترض هم أصحاب الفضل الأكبر على رجال الحكم العراقي الجديد وليس الزائر «الثقيل الظل» ورمز «الاحتلال» الأخطر على العراق ومستقبله كما يحاول البعض من فاقدي البوصلة السياسية من رجال العراق الجديد!
أن يعلن احمدي نجاد برنامج زيارته لبغداد كاملا وجدول لقاءاته بالمسؤولين العراقيين قبل أيام من وصوله إليها، فيما يدخلها بوش الابن خلسة وتسللا ومن غير إعلان مسبق، وأحيانا لا يستطيع حتى دخولها فيضطر للنزول في قاعدة عسكرية ومن ثم يستدعي كبار المسؤولين للاجتماع بهم بعيدا عن الأنوار البغدادية الكاشفة!
وان يسلك احمدي نجاد الطريق البرية من المطار إلى محل إقامة الرئيس العراقي وفي وضح النهار، فيما لا يتنقل المسؤولون الأميركيون من وإلى العاصمة العراقية وبين أحيائها وضواحيها إلا بالهليكوبتر!
وأن يدخل احمدي نجاد المنطقة الخضراء ويخرج منها دون أن تطلق باتجاهها رصاصة واحدة أو صاروخ أو قذيفة هاون أو يعكر زيارته حادث امني واحد، وهي المنطقة التي لا تهدأ ساعة واحدة لا في الليل ولا في النهار ولا تخلو يومياتها من حوادث القصف المتكرر بأنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة، إنما هو الحدث بعينه الذي يحتاج إلى الكثير من التأمل والتدقيق والتحليل وإعادة النظر بكثير من التحليلات التي تناولت ما بات يعرف بالعلاقة المعجمة أو الغامضة بين أضلاع المثلث الذي يشكل العراق الجديد، أي أميركا وإيران وحكام العراق الجدد!
فإذا كانت أميركا هي القوة العظمى من حيث قدراتها التدميرية وإمكاناتها القاهرة للإرادة العراقية الظاهرية على الأرض، فهذا لا يعني مطلقا ولا يفيد أبدا بأنها القوة الآسرة لقلوب العراقيين والقادرة على توجيه عقولهم بالاتجاه الذي تريد أو أنها قادرة على التحكم بهم في كل الأوقات وفي كل المراحل!
عندما قرأت طهران مبكرا أن الأميركيين مصممون على اجتياح العراق واحتلاله وانه لا مجال لإجراء أية مصالحة بين المعارضة ونظام حكم الرئيس الراحل تجنيبا للمنطقة من حرب ضروس وطويلة الأمد، وان كل الأجواء العربية المعنية والمحيطة بالعراق إما لا حول ولا قوة لها وإما أنها مسهلة أو قابلة على مضض بذلك، أو تتمنى لكنها تخجل من الإعلان عن رغبتها برؤية نظام صدام حسين وقد رحل عن بغداد، قامت طهران باعتماد الخطة ب في التعامل مع موضوعة الغزو والاحتلال من جهة وموضوعة المعارضة للنظام والقوى المناوئة للاحتلال من جهة ثانية!
والخطة ب كانت في جوهرها تعني التعامل «الناعم» مع الغزو الداهم واعتباره أمرا قائما بالضرورة لا يمكن دفعه بصورة أحادية ولا بالمواجهة الشاملة وهي الخطة التي أخذت طريقها إلى التبلور عشية الغزو والتي كانت بمثابة خلاصة التجربة الإيرانية الطويلة مع كل من عراق صدام حسين وعراق المعارضة بأطيافها المختلفة والأميركي القادم إلى المنطقة ليعسكر فيها طويلا وبقبول ورضا عام من جانب النظام الإقليمي كان واضحا ومشهودا له بشكل لا يقبل الشك أو الترديد!
لذلك فعندما كنت قد سألت احد كبار المسؤولين المعنيين بالشأن العراقي بعد عدة أشهر من الاحتلال عن سبب قبول بلاده بما عرف بمجلس الحكم يومها كان قد أجابني في حينه: ومن كنت تتصور أننا كنا سنختار أو مع من كنا سنتعاون لو كنا نحن الذين أسقطنا نظام صدام حسين، أو كانت المعارضة العراقية هي التي أسقطته غير تلك الوجوه التي تعامل معها الاحتلال أو تعاملت معه هي؟!
ذلك الجواب هو الذي يفسر اليوم سر سلاسة ونجاح زيارة احمدي نجاد إلى بغداد رغم انف الأميركيين وليس بضماناتهم ولا بتسهيلاتهم ولا حتى رضاهم ورغبتهم كما يفكر بعض السذج أو البسطاء أو السطحيين من القوى العراقية أو العربية الحديثة النشأة على المسرح السياسي العربي وذات الخبرة المتواضعة في التعامل مع الأحداث والوقائع الجسام!
ما شرحته آنفا لا يشكل بالضرورة تبريرا «أخلاقيا» للممارسة الإيرانية السياسية تجاه الملف العراقي، ولا يعطي تأييداً بالضرورة لصحة تقدير الموقف الإيراني تجاه الأوضاع المتلاحقة على الساحة العراقية لكنه يقرر ما يمكن اعتباره القدر المتيقن من المعلومات والتحليل اللذين يتنافيان تماما مع ما تذهب إليه تلك التحليلات الساذجة والمحيرة في نفس الوقت والقائلة إن ثمة تواطؤا أميركيا إيرانيا ضد العراق! أو ثمة تفاهم سري بين واشنطن وطهران على تقاسم النفوذ بينهما على الأرض العراقية!
إنها معركة قاسية ومعقدة ومتشابكة ومتداخلة وفي غاية الغموض، بين المشروع الأميركي للمنطقة وبين المشروع الإيراني المواجه له يظهر فيما يظهر منه اليوم بعض «التوافق» الظاهري أحيانا وبعض التعارض الناعم أحيانا أخرى لكنه الذي يضطرم دوما بكل عنف في مكان ما خلف الستار وفي إطار حرب مفتوحة «ومن تحت الزنار» كما يقولون بين العاصمتين الإيرانية والأميركية، لا تستطيع واشنطن إلا الرضوخ لمعادلتها .
كما هي مرسومة في ما وراء الكواليس والإذعان لموازين القوى المتشكلة على أساسها دون أن تكون قادرة على أن تنبس ببنت شفة ناهيك عن قدرتها على تخريب زيارة معلنة لرئيس تلك الدولة المتخاصمة معها والتي لا تطيقه وهو في بلاده فما بالك وهو يتجول متبخترا في عرينها!
من هنا ثمة من يعتقد جازما أن الذي وفر الحماية والأمن لأحمدي نجاد في المنطقة الخضراء هو نفسه الذي يقود عصائب المقاومة الرئيسية في العراق ولا يسمح للرئيس بوش للوصول إلى بعض نواحي العاصمة العراقية أو أطرافها إلا خلسة وتسللا ومن وراء جدر!
انه نفس المنطق الذي يجعل الإسرائيلي صاحب مقولة الجيش الذي لا يقهر يبدو مضطرا للانسحاب والجلاء مرة والإذعان لشروط مفاوضات تبادل للأسرى مذلة له في أحيان أخرى وإعلان الإفلاس والهزيمة والإخفاق في تحقيق الأهداف مرة ثالثة أمام صمود وصبر وحكمة ودراية حزب الله!
وليس كما يتفوه البعض بكلام أشبه ما يكون إلى الهذيان منه إلى المنطق عندما يرددون كلاما ممجوجا عن وجود تعاون أو توافق مصالح بين حكام تل أبيب وحزب الله اللبناني فقط لان مفاوضات حصلت هنا أو معادلة رعب أو ردع متبادل حكم صراع الإرادات في هذه المرحلة أو تلك من مراحل الصراع المتعرج!
وهو نفس المنطق الذي يتحكم الآن بمجمل صراعات المنطقة في ساحاتها الإقليمية المتعددة من غزة إلى بيروت مرورا بالعراق وأفغانستان وصولا إلى معركة تأميم الطاقة النووية الإيرانية!
انه منطق الصبر على الخصم والعدو وتحمل الكثير من تداعيات جبروته الناري ميدانيا أو«مدارات» بعض سياساته الظالمة والمجحفة إلى حين حلول موعد تجريعه السم الزعاف بأقل التكاليف والأثمان!
كاتب إيراني
