في قمة بيروت عام 2002 التي أقرت مبادرة سعودية لحل الصراع العربي الصهيوني، عرفت فيما بعد ب«مبادرة السلام العربية» بعد الموافقة عليها من القمة، وبرغم تغييب الزعيم الفلسطيني البارز «ياسر عرفات» المعبر الشرعي عن القضية بالحصار الإسرائيلي العسكري له في رام الله قسرا تحديا لهذه القمة، ومع عجز قادة الدول العربية سواء الموقعين منهم على معاهدات سلام مع إسرائيل أو المرتبطين منهم بتحالف أو صداقة مع أميركا عن فك حصار الختيار «أبو عمار»، لم يمنعهم ذلك من عقد المؤتمر وإعلان المبادرة ونجاح القمة.

وربما كلنا يتذكر ماذا كان الرد الإسرائيلي العدواني الحربي المدعوم أميركيا بالغطاء السياسي ضد الأراضي الفلسطينية على مبادرة السلام العربية، وذلك قبل مرور ساعات من إعلان رغبة العرب في السلام في إعلان رسمي إجماعي لم تحلم به إسرائيل.

وفيه يتنازل العرب عن القضية الأصلية منذ عام 48 مقابل عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل عدوان 67، وإعادة اللاجئين الفلسطينيين، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية في غزة والضفة الغربية على خمس فلسطين التاريخية، والاعتراف لإسرائيل باستيلائها على بقية الأربعة أخماس.. وكان التعليق الفوري الصلف لشارون «®. إنها لا تستحق الحبر الذي كتبت به»!

ومع ذلك صبروا على العدوان الإسرائيلي والانحياز الأميركي لست سنوات كاملة، بل وقبلوا أنابوليس رغم وضوح المقدمات أملا في السلام العادل، إلى أن تحول الحصار الإسرائيلي العسكري والسياسي لرجل واحد هو أبوعمار، إلى حصار إسرائيلي أميركي كامل لكل الشعب الفلسطيني، وإلى حصار سياسي واقتصادي غربي وعربي لمليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة.

وإلى عدوان إسرائيلي إجرامي نازي على النساء والأطفال والشيوخ وقتل عشرات الشهداء وإصابة مئات الجرحى المدنيين بأبشع أمثلة الإرهاب وذلك باسم الحرب على الإرهاب.. والأكثر غرابة أنه حينما ترد المقاومة المشروعة على الاحتلال العدواني الإرهابي بأي رد، تخرج التصريحات الغربية والعربية تدين الإرهاب الفلسطيني والعربي والإسلامي!

وبعد ست سنوات من طرح المبادرة ومن الاستخفاف بالموقف العربي المنقسم على نفسه اتضح للعرب أخيرا حقيقة السياسة العدوانية الإسرائيلية التي تدمر فرص السلام، وحقيقة المواقف الأميركية الداعمة للعدوانية الإسرائيلية، والمخادعة للدول العربية، لأن ما جرى ويجري في غزة لا يمكن فصله عن التلاعب الأميركي الصهيوني بالقضية الفلسطينية وبالعرب في أنابوليس.. ولا عن نتائج زيارة الرئيس الأميركي المشؤومة الأخيرة للمنطقة العربية.

ولذلك أكد مجلس الجامعة العربية في بيانه أنه سيتم «إعداد تقييم شامل حول الوضع الراهن في مسيرة السلام لعرضها على القمة العربية المقبلة في دمشق مع وضع مقترحات بشأنه وما يتطلبه الأمر من مراجعة للخط الذي انتهجته الدول العربية وموقفها من جهود إحياء عملية السلام».

إن الشعب العربي الذي لم يكن يعلق آمالا كبيرة على بعض القمم السابقة، بات ينتظر من قادته بما له عليهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وبما لهم من سلطات وما عليهم من مسؤوليات، مواقف كبيرة من الرجال الكبار تليق بهذه الأمة الكبيرة، لمنع انزلاق الأوضاع العربية السيئة نحو الأسوأ، وإغلاق باب التنازلات إلا لشعوبهم، مع الشعور الشعبي بوصول الوضع العربي إلى درجة الخطر ووصول الموقف العربي إلى أسوأ حالاته، والأدهى أنه يسير من سييء إلى أسوأ.

ونظرا لحجم التحديات، ولضرورة إعادة النظر في مجمل السياسات، والحاجة إلى توافق عربي استراتيجي جديد وتحديد المسارات، فربما لم تحظ قمة عربية في السنوات الأخيرة باهتمام ومتابعة الرأي العام العربي بمثل ما تحظى به القمة العربية المقبلة في دمشق، وربما لم يكن الاهتمام بحضور جميع القادة على أعلى مستوى للوفاء بالمسؤوليات الملقاة عليهم أمام شعوبهم تجاه قضاياهم الأساسية بمثل هذا الاهتمام حيث يريدها الشعب العربي قمة للتضامن لا للتباين، وقمة للوفاق والوئام لا للخلاف والانقسام وقمة للاستجابة للتحديات ومواجهة المسؤوليات وليس الهروب منها.

mamdoh77@hotmail.com