ربما ساهمت الأحداث في وأد فكرة تأجيل القمة العربية المقررة في دمشق أو إلغائها، والتي كان الحديث قد بدأ يتردد حولها في ضوء تصاعد الخلافات العربية - العربية.

فلم يكن ممكناً استمرار الجدل حول هذه الفكرة بينما إسرائيل تقوم بمذبحتها الوحشية في غزة، والمسئولون فيها يهددون بـ «هولوكست» أشد مما لحق الفلسطينيين حتى الآن، والشهداء يتجاوزون المائة في يومين قرابة نصفهم من الأطفال، والولايات المتحدة تستخدم كل نفوذها لمنع مجلس الأمن من إدانة المذبحة، والسؤال الذي يجتاح الشارع العربي هو: أين الموقف مما يحدث على أرض فلسطين؟!

ولم يكن ممكناً استمرار الجدل حول هذه الفكرة والموقف في العراق يزداد تعقيداً فما كادت القوات التركية تنسحب من شمال العراق حتى كان الرئيس الإيراني احمدي نجاد يقوم بزيارته التاريخية للعراق. وبغض النظر عن اللهجة المتشددة في خطابه نحو الولايات المتحدة وتأكيده على الموقف الرسمي الإيراني بضرورة انسحاب القوات الأميركية من العراق ومن المنطقة، والرد الأميركي بتوجيه الاتهامات لإيران برعاية ما تسميه «الإرهاب» ودعم الميليشيات بالأسلحة..

وبغض النظر عن ذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان يمكن أن تتم هذه الزيارة لو كان هناك «فيتو» أميركي عليها؟ أما السؤال الذي ينبغي أن نطرحه نحن على أنفسنا فهو: هل عروبة العراق هي الثمن الذي يتم دفعه لتسوية الصراع الإيراني - الأميركي؟ وهل هناك ما نفعله قبل اكتمال الكارثة في العراق المنكوب؟

ثم.. إذا كانت الدعوة لتأجيل القمة قد انطلقت أساساً من أرضية الخلاف حول لبنان، وما يوجه للدور السوري من انتقادات حول عدم الوصول إلى توافق بين اللبنانيين ودعوة دمشق للضغط على حلفائها أجل التوصل إلى هذا التوافق.. فلا شك أن الصورة تختلف بعد الإعلان الأميركي على لسان واحد من أهم المسؤولين عن سياستها في المنطقة (السفير ساتر فيلد) عن معارضة بلاده للمبادرة العربية حول لبنان، ثم تصعيد الموقف بوصول البوارج الأميركية إلى الساحل اللبناني.

وإذا كنا قد انتهينا من حكاية تأجيل القمة أو إلغائها، فلا ينبغي أن يكون هذا نهاية المطاف، أو أن يذهب الفرقاء العرب إلى القمة حاملين مع خلافاتهم إصراراً على إبقاء هذه الخلافات دون حل، وإبقاء القمة في دائرة تأدية الواجب، ولا ينبغي أن يتخلف الزعماء عن الحضور، في ظل أسوأ وضع مرت به الأمة في عصرها الحديث.

لقد حقق وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير للإعداد للقمة العربية إيجابيات عديدة أولها التأكيد على عقد القمة في دمشق وفي موعدها المقرر، ومشاركة كل الدول الأعضاء فيها، والتأكيد على المبادرة العربية بشأن لبنان وهو أمر هام في ظل ( الفيتو) الأميركي عليها. لكن الموقف من القضايا الأساسية يحتاج إلى حسم قد تكون القمة هي المكان المناسب للتأكيد عليه.

في الشأن الفلسطيني اكتفى الوزراء بإدانة المجزرة الإسرائيلية و«التلويح» بسحب المبادرة العربية بسبب غياب أي تجاوب حقيقي من إسرائيل معها!! والحقيقة التي يعرفها الوزراء ونعرفها جميعاً أن إسرائيل «تجاوبت!!» مع المبادرة العربية في نفس يوم إطلاقها بطريقتها حين اجتاحت الدبابات الإسرائيلية أراضي الضفة بأوامر من شارون، وعلى مدى سنوات من إطلاق المبادرة وتجديد إطلاقها سارت إسرائيل على نفس النهج الذي شاهدنا آخر حلقاته في المجزرة الإسرائيلية الأخيرة مع الإعلان الرسمي عن «هولوكست» أشد في انتظار الفلسطينيين..

فما الذي بقي من المبادرة لنتحدث عنه؟ وأي تجاوب ننتظره من إسرائيل وهي تطلق الهولوكست وتقيم المحرقة للأطفال الفلسطينيين ؟ وأي مهانة أن يظل العرب يستجدون سلاماً لا يتحقق لأن العدو لا يعرف إلا لغة القوة والأساليب النازية في أحقر وأبشع صورها؟

ثم.. لماذا إغماض العين عن الموقف الأميركي الداعم (بل المشارك) في الهولوكست الإسرائيلي النازي ضد الشعب الفلسطيني ؟ وهل كانت إسرائيل تجرؤ على ارتكاب جرائمها لولا الدعم الأميركي الذي فاق كل الحدود؟.. لقد مارست واشنطن كل ضغوطها لمنع مجلس الأمن من إدانة المجازر الوحشية الإسرائيلية، حتى بعد أن رضي العرب بالمساواة بين القاتل والقتيل وإدانة الطرفين!!

وفي الشأن اللبناني.. كان إيجابيا - كما قلنا - أن يتم التمسك بالمبادرة العربية، وأن يغيب الصدام حول القضية اللبنانية في اجتماع وزراء الخارجية العرب، وأن يتم التركيز على نقطة أساسية لم تعط حقها من العناية في الفترة الماضية وهي وضع العلاقات اللبنانية - السورية على المسار الصحيح وتكليف عمرو موسى بهذه المهمة التي لابد ان تشارك فيها الأطراف العربية الفاعلة كلها والتي ينبغي أن تكثف جهودها في الأسابيع القادمة لإنهاء الأزمة في لبنان، وهو أمر ليس مستبعداً لو خلصت النوايا وأدرك الجميع حجم الخطر.

ويبقى ألا تتحول قضية تمثيل لبنان في القمة إلى مشكلة جديدة تعقد الموقف. وبالطبع فإن انتخاب الرئيس الجديد قبل القمة سينهي الأزمة فإذا لم يحدث ذلك فستمثل الحكومة لبنان وسط خلافات على ضرورة تمثيل كل الأطراف في الوفد المشارك.

والسؤال هنا: إذا كانت كل الأطراف متفقة على اختيار العماد ميشيل سلمان للرئاسة، فلماذا لا يصدر قرار من الحكومة برئاسته لوفد لبنان للقمة، على ان يضم الوفد أعضاء مقبولين من الطرفين المتصارعين، ليكون ذلك إعلاناً برغبة الجميع في تجاوز المحنة وتحقيق خطوة على طريق المصالحة يمكن للأطراف أن تدعمها وتساندها.

كاتب صحافي مصري