كيف سيحكم التاريخ على جورج بوش الابن؟ هذا سؤال طرحته مجلة «الايكونوميست» اللندنية من خلال عرضها عدداً من الكتب الجديدة التي صدرت الآن مع بداية العد التنازلي لنهاية عهد الرئيس مع حلول مطلع العام المقبل.

لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال علينا ابتداءً أن نستعيد إلى الأذهان أن أبرز ما يذكره التاريخ المعاصر عن كل من الرؤساء الأميركيين الذين تعاقبوا على البيت الأبيض خلال العقود الزمنية الستة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم هو عسكرة السياسة الخارجية الأميركية وترجمة هذه السياسة عملياً إلى شن حروب عدوانية بلا مبرر. ومن هذا المنظور فانهم كانوا جميعاً خداماً لـ «التجمع الصناعي العسكري» الذي تسيطر عليه مجموعة كبرى من شركات صناعة السلام.

الرئيس جورج بوش الابن ليس استثناء من هذه القاعدة. فالمدى الزمني لولايته «ثماني سنوات» طغت عليه ثلاث حروب عدوانية لا تزال رحاها دائرة.. وستبقى كذلك إلى أن يغادر البيت الأبيض. وبينما تنحصر اثنتان من هذه الحروب ـ العراق وأفغانستان ـ في نطاق جغرافي محدد فان الثالثة وهي «الحرب على الإرهاب» غير محددة ـ ليس فقط من حيث المكان بل أيضاً من حيث الأمد الزمني. وبذلك يكون جورج بوش متفوقاً على سابقيه من الرؤساء في إشعال الحروب كمياً ونوعياً.

منذ الحرب العالمية الثانية توالى على السلطة العليا في الولايات المتحدة 11 رئيساً.عهد الرئيس هاري ترومان امتد من بعد نهاية الحرب العالمية مباشرة في عام 1945 إلى عام 1953. وخلال هذه المرحلة دخلت الولايات المتحدة على خط الحرب بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية كطرف مساند للجنوب بذريعة «احتواء المد الشيوعي» القادم من الشمال.

بنفس الذريعة شنت الولايات المتحدة لاحقاً حرباً شاملة ومكشوفة ضد جمهورية فيتنام الديمقراطية «الشمالية»، ورغم أن دوايت ايزنهاور لم يكن الرئيس الذي أعلن الحرب على الفيتناميين إلا أن عهده «1954 ـ 1959» شهد التدخل الاستخباراتي والسياسي الذي مهد لإشعال الحرب، وإعلان الحرب رسمياً على فيتنام الشمالية كان في عام 1965 على عهد الرئيس ليندون جونسون وبينما كانت الحرب متواصلة لمدى أربع سنوات صعد إلى السلطة الرئيس ريتشارد نيكسون الذي عمد إلى تصعيدها إلى أن انتهت بهزيمة أميركية ساحقة في عام 1975.

اسم الرئيس رونالد ريجان ارتبط خلال الثمانينات بحربين: الحرب الأهلية اللبنانية التي تدخلت فيها الولايات المتحدة عسكرياً من أجل نصرة المسيحيين المارونيين على المسلمين، وحرب «الكونترا» التي رتبت واشنطن أمرها لدعم المعارضة المسلحة في نيكاراغوا ضد نظام «الساندنستا» الاشتراكي.

وكانت حرب الخليج التي تزعمتها الولايات المتحدة في عام 1991 خلال عهد الرئيس بوش الأب ضد العراق مقدمة ـ كما اتضح لاحقاً ـ لما جرى من غزو شامل للعراق في مارس 2003 في عهد بوش الابن.

جورج بوش الابن إذن سيدخل التاريخ ليس كرئيس عظيم صاحب منجزات متفردة وعبقرية وإنما ببساطة كإضافة جديدة إلى زمرة من رؤساء متعاقبين يمثلون المصالح الحيوية لمجموعة شركات صناعة السلاح العملاقة التي لا تروج بضاعتها المنتجة إلا بإشعال حروب تلو حروب.