ليس غريباً ولا مثيراً للدهشة ـ ولو أنه مثير للغضب، أن تطلع أصوات صهيونية، أو إسرائيلية رسمية، تدعو إلى طرد الفلسطينيين، من القدس أو غيرها.

مذهب الطرد والترحيل، من صلب عقيدة إسرائيل وفي أساس قيامها، مارسته وجعلته واحداً من أركان ثقافتها. مع ذلك، مثل هذه الدعوة التي أطلقها وزير الأمن الإسرائيلي، قبل يومين، تأخذ أبعاداً، بالغة الخطورة.

والخطر هنا، يشير إليه التوقيت. فهي تأتي في أعقاب «المحرقة» الإسرائيلية في غزة. وقد تمكّنوا من تمريرها، بلا إدانة؛ منع الاعتراض الأميركي صدورها بقرار في مجلس الأمن الدولي. وإمعاناً في الاستخفاف وسياسة الكيل بمكيالين، سارعوا، بعد العملية، إلى تمرير مشروع قرار في مجلس الأمن؛ يدين عملية القدس.

بدت المحاولة وكأنها تريد أن تقول، إن سقوط ثمانية إسرائيليين، يستوجب الإدانة؛ أما سقوط مئة وعشرين فلسطينياً، مسألة فيها نظر.

الخلل المتنوع والكاسح، سمح للاستباحات الإسرائيلية بأن تأخذ مجراها، إلى هذا الحدّ. واليوم تطرح إسرائيل شعار الطرد، في الضفة؛ بحيث يتكامل مع مشروع «الحرق» والخنق؛ في غزة. ففي زمن التعليق والتأجيل، الفلسطيني والعربي؛ لم تر إسرائيل مانعاً من العودة إلى مفردات قاموس؛ كان الاعتقاد أنها صارت بذمة التاريخ ودخلت في قائمة الممنوعات؛ من زمان. بل لم تجد ما يمنعها من ترجمة هذه المفردات، على الأرض؛ مع التهديد بالمزيد منها.

في هذا الإطار برزت نغمة الترحيل، بالتزامن مع اللحظة التي كان يعتقد فيها بأن أزمات المنطقة المشتعلة، سوف يجري ترحيلها ـ أو هكذا كان يفترض ـ إلى القمة العربية؛ لمعالجتها. أو على الأقل لوقف التدهور فيها. وبالذات ملف العلاقات العربية ـ العربية. ولكن فيما القمة على الأبواب؛ وإذا بكل الأبواب تبدو موصدة. في أحسن أحوالها، معلّق أو مؤجل فتحها.

الأزمة اللبنانية، يزداد تعقيدها. وبنفس القدر، تزداد كثافة الضباب الذي يلفّ حضورها، في القمة. الوضع الفلسطيني مفتوح، هو الآخر، على كافة الاحتمالات، التصعيدية؛ وبالقدر الذي يزيد من الإرباك.

حكومة أولمرت تتأهب للقيام بعملية نوعية، ما فتئ المسؤولون الإسرائيليون يلوحون ويهددون بها. لكن ذلك، مع ما جرى ويجري من مجازر ترتكبها إسرائيل يومياً؛ لم يكن كافياً لرأب التصدع الفلسطيني. أو في أقله، التخفيف من حدّته.

هذا التصدّع بات من العمق إلى حدّ، يبدو معه وكأن شعرة معاوية قد انقطعت بين مشروعين متناحرين، لا تلاقي بينهما، على الساحة الفلسطينية. وفي ذلك خسارة محققة لكافة الأطراف. يؤكد ذلك ما تدفعه الساحة الفلسطينية، في الوقت الحاضر. فضلاً عن ما هي مرشحة لدفعه، في الآتي من الأيام والأشهر؛ هي والوضع العربي المسربل بخلافاته ومناكفاته، الخانقة، في هذا الظرف العصيب. وإسرائيل المدركة لهذه الأعطاب ومفاعيلها، بما هي خدمة لمخططاتها وسياساتها، تمعن في التحدّي والانفلات.

أمس هددت بـ «المحرقة» وباشرت في تنفيذها. واليوم تهدد، بكل صفاقة، بالطرد. ومن يحرق، يطرد. وعلى السامعين أن يأخذوا الكلام على محمله.