تثبت الحالة التي جاءت على الكويت كما يثبت أداء البرلمانيين البحرينيين والكويتيين وأداء الكثير من قوانا السياسية ليس فقط هشاشة نسيجنا الاجتماعي بل التوظيف اللا مسؤول، للكثير من قوانا السياسية ولربما رموز من داخل الحكم، و بعضا من الساسة المحليين من برلمانيين وغيرهم ورموز وقيادات سياسية، للتضامنيات الدينية والقبلية وآليات العمل البرلماني، لتحقيق مكاسب سياسية آنية على حساب النظام والمجتمع.

وهي حالة لا يتم فيها الأخذ في الاعتبار حساسية الظرف والمرحلة، وإنما يندفع متبنوها نحو تحقيق أهداف ومرام خاصة: سواء أكانت شخصية ولربما مفرطة في الذاتية وقد تكون أهدافا لا تخلو من الانحيازات العصبوية والضيقة في المنفعة.

فمثل هذه الحوادث والمواقف يتم استغلالها من قبل الجماعات النفعية والمتسلقة على حساب المجتمع، أو أن تأتي إليها هذه الأحداث بعد، انتظار طويل، لتوظفها بشكل نفعي بحت لتحقيق أهداف الجماعة الخاصة أو التنظيم السياسي في مقابل الآخر.

من ناحية أخرى فإن الدعوة التأبينية للقائد العسكري لحزب الله عماد مغنية كان بإمكانها أن تمر، كما هي قد تكون مرت في الكثير من المجتمعات، لولا التوظيف السياسي لهذا الحدث من قبل المنظمين له من حيث البدء، أي الدعوة لعقد الاجتماع التأبيني كنوع من العناد وإرسال رسائل سياسية لأشخاص داخل مؤسسة الحكم وقوى سياسية ولربما تضامنيات أخرى دون حساب دقيق لردات الفعل وتعقيداته داخل المجتمع الكويتي.

أو لتعزيز الخصومة السياسية داخل الجماعة السياسية أو لتأكيدها بين الجماعات من ناحية، كما هي ردة فعل المعارضين له أو بعضهم والذين وظفوا الحدث لضرب أكثر من طرف داخل مؤسسة الحكم من جانب وإضعاف أو ضرب أطر أو كتل برلمانية وقوى سياسية واجتماعية داخل المجتمع الكويتي من جانب آخر، بالإضافة لمحاولة إضعاف مواقف هؤلاء جميعا بما فيها مواقف مؤسسة الحكم، من مجموعة من الملفات داخل المجتمع الكويتي أو في تحصيل قدر من القوة في نزاع الأجنحة المختلفة للحكم من ناحية أخرى.

وقد جاءت تداعيات الفعل وردة الفعل في الصورة التي يرسمها الكاتب الصحافي الكويتي بقوله «إذا كان تأبين عماد مغنية قد استفز مشاعر معظم الكويتيين وأثار استياءهم وصدرت ضده بيانات الرفض وتصريحات الاستنكار فإن هناك من سعى منذ البداية عن قصد وعمد على خلط الأوراق ومحاولة تصفية الحسابات السياسية وعمل على تأجيج الاستقطاب الطائفي وفجر في الخصومة وبالغ في الاتهام وخون وشكك في الانتماء والولاء ودعا إلى إسقاط الجنسية».

ويؤكد الحدث وتداعياته هشاشة نسيجنا الاجتماعي وقوة هواياتنا المباشرة: القبلية والمذهبية وسهولة استفزازها واستحضارها لتحقيق أهداف آنية من قبل البعض مقابل البعض الآخر. كما إنها تؤكد مرة أخرى فشل مشاريع إقامة مجتمع المواطنة في مقابل مجتمع التضامنيات، وهي تعكس في ذات الوقت العجز عن تطوير آليات العمل الحديثة بعيدا عن التجاذبات الذاتية للأفراد والجماعات.

كما إنها حالة تعكس كذلك عجز المجتمع ممثلا في منظماته المدنية على تأكيد الانتماءات الوطنية للأشخاص بعيدا عن انتماءاتهم الذاتية. أي فشل المجتمع بقواه السياسية ومنظماته المدنية في التأسيس لثقافة المواطنة مقابل ثقافة التضامنيات.

وهي مسألة لا أجد إنها قريبة التحقق في مجتمعاتنا على المدى القريب ولربما المتوسط، في ظل غياب أفق ورؤى في الدولة وفي المجتمع يرى في أن اقامة الدولة الحديثة عملية تتطلب التخلي الطوعي عن مجتمع التضامنيات القائم على التراتب المورث أو المكتسب لصالح فكرة المواطنة القائمة على الإنجاز والانتماء.

والتفكير بعقل إن الدولة شأن عام يخص المجتمع ككل وهي في هذا لا تخص فئة دون أخرى أو جماعة دون الجماعات الأخرى، وإن سلامتها أو إضعافها هي جزء من سلامة أو إضعاف المجتمع، وإن المجتمع لا يمكن أن يقوم دون الدولة.

كما إن الدولة لا يمكن لها أن تتشكل دون وجود مجتمع، وإن إضعاف الدولة هو نوع من إضعاف المجتمع كما إن إضعاف المجتمع يعبر هو الآخر عن هشاشة مؤسسة الدولة وإن أخافت المجتمع، وإن قوة الدولة تتمثل في هيبتها القائمة على الاحترام وليس الخوف.

وإن دروس التاريخ تؤكد حقيقة إن قوة الدولة القائمة على الخوف سرعان ما تطيح بها أعاصير الزمان، وهي في ذلك بخلاف القوة المبنية على الاحترام والقائمة على تطور مؤسسات وآليات عمل الدولة ودرجة انفتاحها المؤسسي على المجتمع.

وخلاصة القول إن تدعيم التضامنيات التقليدية: الطائفية والقبلية وإن حملت بعض المكاسب الآنية لمتبنيها على المدى القصير إلا إن مصاحبات هذا العمل على المدى البعيد كبيرة ومدمرة. فالكثير من هذه التضامنيات برزت، في بعض من مجتمعات المنطقة.

رغم الاحتضان والعطايا المقدمة لها، كجماعات مناهضة للدولة، بل وفي غياب أو ضعف قوة الجماعات الأخرى الأكثر عقلانية، فإنها تمثل بحق الخطر الأكبر على سلامة الدولة واستقرار المجتمع، وقوى معطلة لإقامة الدولة الحديثة، ولنا في بعض النماذج العربية المحيطة بنا عبرة ومثال.

كاتب بحريني