هل يعتبر انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة خلال الأسبوع بعد إنجاز مسلسل من التقتيل الجماعي انتصاراً لصمود «حماس» كما أعلنت قيادات الحركة؟ على كثرة التحليلات الواردة من خلال الوسائل الإعلامية العربية والغربية فإن أفضل إجابة موضوعية على هذا التساؤل تتمثل في ما ورد من مقالات تحليلية في الصحافة الإسرائيلية، لأغراض التحليل الموضوعي بوجه عام .

فإن السؤال المطروح ينبغي أن يسبقه سؤال أساسي هو: ما الهدف الأساسي الذي وضعته القيادة الإسرائيلية للهجمة العسكرية الضارية على قطاع غزة وأهله.. وإذن يكون منطلق التحليل هو: إلى أي مدى نجحت الحملة أو فشلت، هكذا كان منطلق المحللين في بعض الصحف الإسرائيلية.

الهدف الرئيسي الذي وضعه وزير الحرب الإسرائيلي أيهود باراك وأجازه مجلس الوزراء هو: إضعاف سلطة حماس لغرض الإطاحة بها. في مقالة بصحيفة «معاريف» يقول الكاتب الإسرائيلي كوبي نيف في مستهل المقالة إن هذا الهدف غير قابل أصلاً للتحقيق.

ويقول الكاتب إنه وفقاً للخطة الرسمية المقررة ستؤدي عمليات القصف الإسرائيلية من الجو والبر على أحياء سكنية فلسطينية في أنحاء قطاع غزة على خلفية تجويع أهل القطاع من خلال الحصار الكامل إلى تذمر شعبي يفضي إلى غضب عام عارم ضد «حماس»، مما يفرز بؤرة داخلية تتولى إسقاط السلطة، لكن الكاتب ينبهنا إلى أن النتيجة كانت العكس تماماً. فقد تعمّقت شعبية حماس من ناحية وتضاعفت الكراهية ضد إسرائيل من ناحية أخرى.

غير أن الخطة الإسرائيلية ذات فصول كما يبدو، فالتصريحات الصادرة عن رئيس الحكومة الإسرائيلية أيهود أولمرت تنبئ بتكرار الهجمة على القطاع لتحقيق الهدف الرئيسي المرسوم، فهل تعمد إسرائيل في المرة التالية إلى اغتيال قيادات من حماس للإطاحة بسلطتها؟

هذا السؤال يجيب عنه الكاتب نيف قائلاً: لقد سبق أن صفينا الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وابن محمود الزهار.. وانظروا ما جرى كنتيجة لهذه التصفيات العظمى؟ لقد أصبحت حماس أشد قوة وأكثر شعبية.

وكأن صحيفة «هآرتس» التقطت الخيط من هنا. فقد حذرت في مقالة افتتاحية، القيادات السياسية الإسرائيلية من أن للقوة العسكرية الإسرائيلية حدوداً، وانطلاقاً من هذه التحذيرات تقول الصحيفة إنه لم يعد هناك مفر من أن تتفاوض إسرائيل مع حماس، وتعدد الصحيفة مظاهر البؤس الشامل المتفشي بين أهل غزة: فقر شديد.. وأعداد كبيرة من القتلى.. ومستشفيات تنهار من كثرة الجرحى.. ومعدلات أسطورية للبطالة تناهز 60%.. وجوع شامل.

رغم هذا كله ـ تقول الصحيفة الإسرائيلية ـ تحول شعب غزة كله إلى «حماس كبرى». ففي ظل هذا الوضع بلغت مشاعر الانتصار للكرامة الإنسانية لدى أهل غزة ذروتها مع تصاعد الرغبة الشعبية في الانتقام من الاسرائيليين. وهذا يعود بنا إلى السؤال الكبير المطروح: ألا يحق لقادة حماس القول إن صمودهم انتصر رغم ضراوة العمليات الدموية الإسرائيلية؟