لا شك أن تهديد وزراء الخارجية العرب بسحب مبادرة السلام العربية، والتي كان مؤتمر القمة العربي في بيروت عام 2003 قد أقرها وأعادت قمة الرياض التأكيد عليها عام 2007، ما لم تنفذ إسرائيل التزاماتها الدولية بحق الفلسطينيين خطوة في الاتجاه الصحيح.
لكنها تبقى خطوة غير كافية لتوجيه رسالة ذات مغزى إلى إسرائيل التي أثبت تاريخ التعامل معها أنها لا تقدم شيئا ما لم تجبر على تقديمه، وما لم تكن هناك ظروف داخلية-إقليمية-دولية تدفعها للمضي في اتجاه لا يتفق مع أطماع قادتها وسياساتهم القمعية التوسعية البعيدة عن كل المفاهيم الأخلاقية والقوانين والأعراف الدولية.
فأوضاع المواطنين في غزة، حتى قبل التوغلات العسكرية الأخيرة والجرائم البشعة التي ارتكبت فيها، وصلت إلى حد لم تشهده الأراضي المحتلة منذ أكثر من 40 عاما. هذا ما أكده تقرير صدر عن 8 منظمات إغاثة بريطانية ناشطة، وعلى رأسها أوكسفام ومنظمة العفو الدولية، وجاء فيه أن أبناء قطاع غزة يعيشون في أسوأ أزمة إنسانية منذ حرب 1967 بسبب الحصار الخانق الذي تفرضه إسرائيل على القطاع.
فقد أصبح التنقل من وإلى غزة شبه مستحيل، وتلاشت الخدمات الرئيسية مثل الصرف الصحي والماء والكهرباء، وانهار الاقتصاد، ووصلت البطالة إلى 50%، والمشافي تعاني من انقطاع الكهرباء 12 ساعة في اليوم، وتراجع التعليم إلى أدنى مستوياته.
هذه الصورة القاتمة التي جاءت في تقرير منظمات الإغاثة البريطانية لم تكن مفاجئة للفلسطينيين والعرب والمهتمين بالشأن الفلسطيني، لكنها كرست ما يعرفه الجميع ودعمته بالأرقام والحقائق. وإذا كانت الصورة بذلك السوء قبل الاعتداءات الأخيرة فإنها زادت بشاعة خلال الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة وبعدها، وتنذر الأيام القادمة بما قد يصل إلى "محرقة" هدد قادة إسرائيل بارتكابها علنا ضد أبناء الشعب الفلسطيني.
وكأن ما حصل حتى الآن لم يشكل محرقة حقيقية، لذلك فإن الوضع بقدر ما يتطلب إعادة النظر في مبادرة السلام العربية، فإنه يتطلب أيضا تحمل القيادات الفلسطينية مسؤولياتها في الوصول إلى مصالحة وطنية حقيقية تخرج الشارع الفلسطيني من حالة الشلل القاتل الذي يمر به، والذي لا يفيد إلا العدو الإسرائيلي المشترك.
كما أن على العرب السعي لحل خلافاتهم الهامة الأخرى، وعلى رأسها الملف اللبناني الذي يقف حجر عثرة أمام التضامن العربي بسبب التعقيدات الكثيرة التي أفرزتها تفاصيل هذا الملف، على أن يضمن الحل مبدأ "لا غالب ولا مغلوب"، بل وتغييره إلى شعار "لبنان هو الغالب" لأن الجميع سيكون غالبا عندما تكون الغلبة للوطن.
إن تسوية الملف اللبناني من شأنها أن تمهد الطريق أمام مصالحة عربية تحتاجها الشعوب العربية أكثر من أي وقت مضى، لأن التضامن العربي وحده كفيل بتمكين العرب من اتخاذ خطوات بديلة واضحة ومؤثرة تجبر إسرائيل على تبني خيار السلام، بعيدا عن العموميات الغامضة والشعارات التي لم تسفر عن أي نتيجة حتى الآن.
إن التهديد بسحب مبادرة السلام العربية لن يؤدي وحده إلى نتائج مفيدة ما لم يترافق ذلك مع خطوات عملية ضاغطة قد يسبب تبنيها وتطبيقها الألم لإسرائيل على مستويات عديدة.
