لفت انتباهنا في الآونة الأخيرة انضمام مواطنات من المناطق الشرقية والشمالية للعمل في مؤسسات تتواجد في إمارات أخرى كدبي والشارقة وأبوظبي، تاركات خلفهن منازل أسرهن للإقامة في شقق سكنية أو فنادق رغم أنهن عازبات.
أضف إلى ذلك أن بعضهن ممن رفضت أسرهن إقامتهن بمفردهن في مكان آخر يتكبدن فيه عناء السفر اليومي من مناطقهن إلى مناطق عملهن بمفردهن أو برفقة سائق، رغم أن المسافة التي يقطعنها ليست بالمسافة الهينة وليست بالقريبة، الأمر الذي يجعلنا نستغرب هذا الوضع الملفت والذي عندما نسأل عن أسبابه نجدها لا تخرج عن الحاجة إلى الوظيفة والتي لا يجدنها في المناطق التي يقمن فيها.
قد يقول قارئ إن المحتاج للوظيفة يتبعها أنى وجدها، لكننا نتحدث عن سيدات لهن طاقة احتمال، فالانتقال من تلك المناطق إلى الإمارات الأخرى يوميا يعرضهن لمخاطر الطريق الذي يقطعنه يوميا في حال رفضت أسرهن الإقامة في الإمارة التي يعملن فيها، والإقامة بمفردهن في شقق سكنية بلا أهل ولا أقارب يعرضهن لمخاطر أكبر خاصة وان تلك المساكن المستأجرة لا يمكن أن توفر لهن الأمن والاستقرار الأسري الذي تحتاجه أي واحدة.
بلادنا آمنة وتقيم وزناً للمرأة وتقدر عملها، والمؤسسات تسعى لخلق فرص العمل للمواطنين والمواطنات من مختلف المناطق في الإمارات، لكن ما الذي يجعلنا نعرض بنات الوطن لهذه المخاطر؟
وما الذي يجعلنا نقبل بوجودهن عزباوات في غير أماكن إقامة أسرهن، في شقق سكنية أو فنادق يرتادها الناس من كل الأشكال والجنسيات، لاسيما وهو أمر لم نعهده في مجتمعاتنا المحافظة، ولا نريد الاعتياد عليه مهما كانت الأسباب.
لو كان الأمر يتعلق بدراسة ترتبط فيها الطالبة بالإقامة بسكن جامعي لما خشينا عليهن شيئا وهو الحاصل مع المغتربات في الخارج للدراسة، فهذه المساكن المخصصة للطالبات توفر لهن الأمن ووسائل المواصلات دون أن يلحق بأي منهن خطر، ودون أن يعرضهن لظرف يجدن أنفسهن فيه دون ولي أمر مسؤول عنهن.
لكن الوضع الذي نتحدث عنه مرتبط بعمل وإقامة ومصير ربما تجهله الفتاة خاصة إن كنا نعني بحديثنا مخاطر الطرق والحوادث، أو التعرض لمواقف طارئة لا تستطيع فيها الانتصار لنفسها أو حتى حماية نفسها. هل وصلت الحاجة بالمواطنات لدرجة تجعلهن يتخطين حواجز العادات والتقاليد، ويعرضن أنفسهن للمخاطر أو أي ظروف أخرى؟
المواطنة اليوم واصلت تعليمها واستحقت الوظيفة بجدارة، وتضطرها الحاجة وظروفها الاجتماعية أحيانا للقبول بوظائف ربما لا تتناسب مع ظروفها الاجتماعية ولا مع سلامتها، فهل نقبل كأهالي ومؤسسات ومجتمع بهذا الوضع؟
هذه القضية ما هي إلا انعكاس للتغييرات التي طرأت على مجتمعاتنا والتي ينبغي أن ندق أجراس الخطر لنستوعب التأثيرات السلبية التي قد ترضخ لها المواطنات الباحثات عن العمل. من الأولى أن تتاح لهن فرص العمل في مناطقهن.
وان تعذر هذا العمل فلا بد من أن يتخذ الأهل موقفا حازما يتمثل في انتقال احد أفراد أسرتها للإقامة معها، أو مرافقتها في طريقها، أو منع بناتهن من الارتحال اليومي في طرق لا تخلو من المخاطر، أو الإقامة الفردية في سكن لم نعرفه في السابق إلا للرجال العازبين وليس للنساء.
لن نحمل المؤسسات التي تقوم بتوظيفهن المسؤولية فهي تتعامل مع موظفات مسؤولات عن أنفسهن قبل مسؤوليتهن عن العمل، وهي لا تملك حلا حتى وان منحتهن بدل سكن أو مواصلات، فما نتحدث عنه أهم بكثير من تلك البدلات والعلاوات، إنها مسألة اعتبارات ومرتكزات مجتمع لا ينبغي التفريط بها.
