ليس هناك، أو بالأصح لم يعد هناك، سياسة افريقية لفرنسا منذ نهاية الحرب الباردة. كان هناك سابق ما سُمي بفرنسا ـ افريقيا، أي التعبير الذي أطلقه في عام 1955 الرئيس الغابوني الراحل فيلكس هوفوي ـ بوانيه للدلالة على العلاقات الحسنة مع القوة الاستعمارية آنذاك. كان يومها نائباً ويناضل بنفس الوقت من أجل استقلال بلاده.

هكذا يقول التاريخ، فماذا عن اليوم؟ قام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قبل أيام قليلة بزيارته الثانية إلى القارة الإفريقية السوداء، وتحديداً إلى جمهورية جنوب إفريقيا بعد «وقفة» لعدة ساعات في العاصمة التشادية انجامينا.

كانت الزيارة الأولى قبل عدة أشهر وبدأت «عسيرة» في السنغال إثر التصريحات التي أطلقها الرئيس الفرنسي وحمّل فيها إفريقيا مسؤولية المصير البائس الذي تعاني منه، ورفض بنفس الوقت تقديم «أي اعتذار» عن الماضي الاستعماري. هذه التصريحات قوبلت بعاصفة من الغضب من قبل الصحف السنغالية. وارتفعت أصوات كثيرة تتهمه أنه يريد أن يحذف بجرّة قلم الآلام التي عانى منها الأفارقة خلال تاريخ طويل بسبب ظلم «البيض» وجرح ثلاثة قرون من العبودية ربما لن يندمل أبدا.

لم تكن تجارة العبيد بعيدة عن غنى البعض وبؤس البعض الآخر... مع ذلك، قد يكون «الاعتذار» عن الماضي مجرد «تفصيل»، لكن كتابة تاريخ إفريقيا بشكل موضوعي و«بلا تزوير» ليس تفصلا بالتأكيد. وليس تفصيلا أيضا أن تتم معاملة افريقيا على أنها «قاصرة» وليست «بالغة».

زمن «إعطاء الدروس» انتهى وأصبح من متاع الماضي الذي لم يمض تماماً فبعض آثاره لا تزال عالقة في الذاكرة الجماعية الإفريقية. تبقى «النسخة الغربية» لتاريخ القارة السوداء مكتوبة من قبل الطرف الأقوى، وليس من الافتراء اتهامها أنها «متحيّزة»، بل وتدخل بعض تفاصيلها في خانة «التزوير». بكل الحالات ليس بمقدور أي كان أن يكتب تاريخ افريقيا أفضل من الأفارقة أنفسهم.

لكننا ومهما «لحقنا» الماضي نبقى أبناء اليوم. واليوم ترتفع أصوات كثيرة في الغرب ل«تجريم» الأفارقة وكأنهم هم وحدهم وراء ما آلت إليه الأوضاع في قارتهم. لا شك أنهم يتحملون جزءاً من المسؤولية ولكن ليس المسؤولية كلها.

هناك سيل من «النوايا الحسنة» التي يتم الإعلان عنها في مختلف اللقاءات ابتداء من القمم الإفريقية ـ الفرنسية التي يعود الفضل بإرساء قواعدها إلى الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ووصولا إلى قمم الدول الثماني المصنعة الكبرى. إفريقيا لديها «محامون» للدفاع عنها. ولكننا «نسمع جعجعة ولا نرى طحينا»، حسب تعبير «مستعار» من شكسبير.

الواقع يكذب النوايا؛ إذ هناك علاقات غير متكافئة، بل وغير «مستقيمة» في التعامل مع القارة الإفريقية. وحتى على مستوى قواعد اللعبة التي وضعتها القوى الكبرى نفسها وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي أصبحت تضع إفريقيا بين أولوياتها، وفرنسا، القوة الاستعمارية السابقة التي تعتبر حضورها في إفريقيا مسألة إستراتيجية. هناك علاقات «غير متكافئة»، ولعله ينبغي القول «غير نزيهة».

مثل واحد قد يكفي للتدليل على هذا الأمر وهو أن المنتوجات الزراعية الإفريقية لا تستطيع، عملياً، ولوج الأسواق العالمية بسبب منافسة المنتوجات الزراعية للبلدان المتقدمة والمدعومة من قبل حكوماتها مما يخالف القواعد التي وافق عليها الجميع في إطار منظمة التجارة العالمية.الأفارقة لا يستطيعون دعم منتوجاتهم ولو أرادوا ذلك.

ناضل الأفارقة من أجل أن توقف الولايات المتحدة دعم مزارعي القطن الأميركيين بمبالغ خيالية تصل إلى عشرات الميارات سنوياً، وأن توقف أوروبا دعم مختلف المنتوجات الزراعية. كل ما تم التوصل إليه هو مجموعة من الوعود وفي أفق السنوات القادمة. متى؟!

الأفارقة لا يسمعون سوى خطابات بلاغية تتكرر في كل اللقاءات والقمم الدولية التي يحضرونها والمكرّسة، جزئيا على الأقل، لإفريقيا والتنمية في إفريقيا. الحديث نفسه يتكرر عن محاربة الفقر ومكافحة «الايدز» والملاريا وتعليم النساء وأشياء «نبيلة» أخرى كثيرة.

الأفارقة بحاجة ماسّة إلى هذا كلّه؛ لكنهم قبل كل شيء بحاجة إلى بنى تحتية أساسية، إلى طرق وجسور ومصانع... باختصار إلى مستلزمات التنمية للإنتاج وليسوا بحاجة فقط إلى «سياسات مساعدة»، ما هي سوى تسمية ملطّفة ل«سياسات الاستجداء».

إفريقيا قارة «غنية»، لكنها «منهوبة». هذه هي الحقيقة التي يدركها الأفارقة وغير الأفارقة. قامت مشاريع دولية كثيرة من أجل دعم التنمية في إفريقيا ومناطق العالم الفقيرة الأخرى. المنظمات الدولية المعنية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، حددت عتبة الفقر بدولار واحد للفرد في اليوم. وهناك في إفريقيا، بناء على هذا المعيار، عدة مئات من الملايين الذين يعيشون دون عتبة الفقر.

المضحك-المبكي في هذا السياق هو ما قاله أحد الرؤساء الأفارقة -الرئيس السنغالي ـ بالاعتماد على تقارير غربية ومفاده أن كل بقرة في أوروبا تحظى بمساعدة يومية قيمتها حوالي 7. 2 دولار أميركي. هكذا تغدو المعادلة بسيطة وهي أن كل بقرة أوروبية تساوي أكثر من إفريقيين أو آسيويين اثنين فقيرين.

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي جعل من إفريقيا إحدى أولوياته منذ خطابه الأول بعد انتخابه رئيسا. وعاد للقول بعد جولته الأولى في إفريقيا «السوداء» انه يبحث عن «التجديد وعن البناء على المدى الطويل». وأثناء زيارته قبل أيام إلى جنوب إفريقيا أكّد في خطابه أنه سوف يعيد النظر بالوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا.للإشارة، هناك الآن حوالي 9000 جندي فرنسي موزعة في عدة بلدان من القارة.

ما هو واضح أنه ليس لفرنسا اليوم أية سياسة أو أية إستراتيجية محددة. كل ما هناك، ومنذ سنوات عديدة، مجموعة من السلوكيات والأفعال تبعا للظروف وللإرادة المسيطرة في اللحظة، وغالبا دون أي تنسيق فيما بينها ودون أية رؤية مدروسة عمّا يمكن أن ينتج منها. المحصلة هي أن سياسة فرنسا الإفريقية غدت «غير مقروءة» وتفتقر إلى أي بعد استراتيجي.

ما قاله الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن إعادة النظر بالوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا وإضافة أنه ينبغي على فرنسا أن تعترف بمصالحها في هذه القارة وتتحمل مسؤولة ذلك... يمكن أن يشكل بداية جديدة، منعطفا نحو تبنّي إستراتيجية واضحة و«شفافة». لكن هذا له مستلزماته ويعني أولا القطيعة مع مسيرة كاملة تمحورت حول العلاقات الشخصية المغلّفة برداء «الالتزام الأخلاقي والواجب التاريخي» حيال مستعمرات الأمس.

يبقى الفرق كبيرا بين القول والفعل. قال الكثيرون في الغرب الكثير عن بدايات ومنعطفات حيال سياساتهم الإفريقية وحيال ضرورة التنمية في إفريقيا ولكنهم انهمكوا في الواقع ب«حساب الغنائم» ويترددون حتى حيال مسألة إلغاء الديون أو حتى حيال مراجعة حساباتها. التنمية في إفريقيا تتطلب بنى تحتية أساسية وخططا حقيقية على المدى المنظور؛ وأيضا، وأساسا التعامل مع الأفارقة على أساس أنهم قد بلغوا «سن الرشد»

كاتب سوري ـ باريس